أخبار عاجلة
الرئيسية / المنتدي الثقافي / السقا مات | بقلم: تامر عبد رب النبى | مقالات | المنتدى الثقافي

السقا مات | بقلم: تامر عبد رب النبى | مقالات | المنتدى الثقافي

من 15 سنه كنت ببيع فطير في الشارع مع احد اصدقائي وكنا بنقف في شارع صلاح سالم امامنا منطقه مقابر زاخره بالسكان الاحياء وبالخلف مننا حي منشيه ناصر (الربع الخاص بحي الزباليين) ولا اعرف ان ضيق ذات اليد قد دفع بالعديد من فقراء هذا الوطن وبؤسائه للاقامه والحياه بجوار قبورهم وكأنهم يشعرون انهم جاءوا الدنيا فقط ليموتوا ولا يعلمون ان هناك حياه يجب ان يحييوها وان لدى كلا منهم كتاب لحياته يجب ان يسطر صفحاته بالمشاعر والاحلام ….وامام مننا كانت بتعبر عربات متفاوته المستوى من العربات اللي بتجرها الحمير حتى المرسيدس واللي اغلى منها .ولأننا انا وصديقي كنا حاصلين على مؤهل عالي وغاويين ثقافه وفن وسينما فده انعكس على مهنتنا البسيطه اللي ظروفنا اجبرتنا عليها .استخدمنا افضل الالبان والسمن والدقيق وفطيرنا طلعله ريحه وطعم واتلمت علينا الزبائن وتلاميذ المدارس .كنا بنبيع الفطيره ب50 قرش وللتلميذ اللي لابس مريله المدرسه ب25 قرش ولو ما معهوش فلوس ياخد .احنا ماكناش بندور على مكسب احنا كنا زي الفنان الحقيقي بندور اننا نبسط الناس وننبسط من انبساطهم .ويا سلام لما نشوف طفل صغير فرحان بطعم الاكل وبيضحك كانت روحنا بتنتشي من الفرح وذاع صيتنا وبقت العربيات الفاخره تميل وتشتري مننا بحب الفضول عايزين يعرفوا الناس اللي عليها زحمه ده بيبيعوا اه . وفي يوم مرض صديقي واكتشفنا انه محتاج يغسل كلى . قررنا ان ندفع اي مال مقابل الحصول على الصحه .وبقت كل املنا واحلامنا الحصول على حياه الصديق واختارنا مستشفى بيعمل تحت اداره سفاره اجنبيه وهو المستشفى الايطالي بل وقررنا ان يعالج في قسم الVIP. وهو خاص بعليه القوم والمجتمع واستعنا بالله .وكنت بقف الصبح على عربه الفطير ومن بعد الظهر ثلاث ايام بالاسبوع باصطحب الصديق لجلسات غسيل الكلى وكانت الجلسه بتستغرق ثلاث ساعات ونصف . كنت بقضيهم في حديقه المستشفى الممتلأه بالزهور والاشجار وكان بيقعد مجاور ليه ناس من عليه مصر واهالي رجال اعمال كبار بيغسلوا كلى بجوار صديقي وعمري ما أتجرأت وكلمت حد منهم أو القيت عليه التحيه .اشكالهم كانت كلها مرصعه بهيبه الثراء الفاحش . وفي احدى المرات كنت جايب معايا فول بزيت حار لزوم وجبه الغداء الخاصه بي (ما احنا كان لازم نوفر من قوتنا لزوم ان الصديق يعيش) وجلست منفرد في احدى اركان حديقه المستشفى وجاء رجل يقارب ال60 من العمر وجلس بجواري فكانت اول مره اتحدث الى احد من اقارب المرضى وعزمت عليه .اتفضل يا حاج .فنظر الي وقالي ده ريحه زيت حار فضحكت وقلت له اتفضل دوق قالي ريحه الزيت الحار الخام الاصلي انا ماشميتهاش من ايام ماكنت في السيده زينب الا دلوقتي فقلت له لازم تدوق قالي هدوق بس لقمه واحده ولو عجبني هديك فلوس تجيب لنا المره الجايه قلت له لا المره الجايه عليا واللي بعدها عليك . واكلنا سويا انا وهو مره عيش وفول ومره مش وطحينه ومره جبنه وخيار المهم كنت بختار اكل رخيص ولذيذ وكنت بتهرب من الاكل الغالي وهو شعر بكده وقالي انا عارف انك بتكره الاكل الغالي عشان فلوسك انت وصحبك ضايعه على علاجه انتوا رجاله بحق وحقيق لان الرجاله ما بتهتمش ببطونها قدر ما بتهتم بكرامتها ونخوتها وهكذا على مدار ثلاث مرات اسبوعيا لمده ثلاث سنوات لم اكسل فيهم عن اصطحاب وانتظار صديقي وهو ايضا لم يكل عن اصطحاب و انتظار احد اصدقائه والراجل ده اللي اكلت معاه ثلاث سنوات ما كنتش اعرف غير اسمه الاولاني محسن وكنت بقوله ساعات ياعم محسن او يا حاج محسن . وكنت بدردش انا والحاج محسن في السياسه والمجتمع والطب والزرع وكل حاجه الا حاجه واحده ماكانش بياخد ويدي معايا فيها بالكلام وهي السينما اللي كنت بعشقها مووت . كنت كل ما اجيب سيره السينما عينيه تبتسم وتلمع لمعه رائعه بدون ما يتكلم كلمه واحده وأذنه تصغي باهتمام دون ان ينطق بكلمه واحده . كان دائما بيرغي عن الحرب لانه حارب في اكتوبر وكان مصاب في جبهته بفتح فيه عدد من الغرز كان دائما بيفتح المحفظه ويوريني تقرير مستشفى الجيش الثالث باصابته بجرح في الجبهه من سمك سلاح عسكري اسرائيلي اثناء عبور القوارب الحربيه للقناه . وعمري ما فكرت اسال عم محسن انت بتشتغل اه لاني لا اهوى الفضول ولان الدنيا علمتني احكم على الناس من اخلاقها وليس اشكالها او وظائفها . بس انا كنت مخمن انه مقاول او تاجر تجارته واسعه وبعد ثلاث سنوات لم اتخلف انا او الحاج محسن عن اصطحاب صديقي او اصطحابه لصديقه . جاء عم محسن و اخبرني انه مسافر اسكندريه مشوار لمده اسبوعيين وانه جاي مخصوص ليه .لان استاذ جميل اللي هو صديقه هيوصله النهارده سواق وهو جاي ليه مخصوص .واعطى لي ورقه بها رقم تليفون قالي .الرقم ده مش مع مخلوق .انا ادتهولك عشان صاحبي الاستاذ جميل لو حصله حاجه وهو بيغسل كليته اتصل بيه فورا . وقالي سلام وهو بيبتسم وكله تفائل .ثم سألني ولأول مره تأتي ذكر كلمه سينما على لسانه أنت ليه بتحب السينما فأجبته لانها مأوى البسطاء والمهمشين من امثالي كما ان قاعات السينما هي اللتي يستعيض بها الضعفاء والمقهوريين عن قاعات المحاكم اللتي تسحقهم ظلما وجورا فقال لي انت فكرتني انا كنت جايبلك هديه يا تامر .نسيتها في عربيه استاذ جميل ابقى خدها منه لما يخلص جلسه العلاج .انا كلها اسبوعين وراجع وعندي مكتب في الهرم هتكلم معايا فيه براحتك عن السينما وهنبقى مع بعض على طول يا تامر ثم احتوى جسدي بكفي يده ورمقني وعينيه مبتتسمه وسعيده .ثم انصرف وهو يقول لي ما تنساش تاخد الهديه من استاذ جميل .
كنت لهذه اللحظه اظن ان عم محسن تاجر او مقاول .ولم اطلب من استاذ جميل الهديه لاني كنت اظنها مأكولات او سندوتشات من اللاتي كنا نتشاركها سويا . كما ان استاذ جميل هذا كان لا يعيرني اهتمام وكان كلما نظر الي اشعر انه ينظر الي بدونيه اواحتقار . جلست وحيدا لمده ثلاث جلسات في انتظار صديقي ولم تكن لي اي شهيه للاكل او احتساء القهوه بدون عم محسن وفي اليوم الحادي عشر وانا في انتظار صديقي المريض .وجدت الاستاذ جميل يخرج مستندا على سائقه ويتجه لي ويخبرني بنبره استسلام وعيون حزينه وكانت هذه المره الاولى اللتي يتحدث الي فيها الاستاذ جميل .صاحبك مات .فجاء في ظني ان صديقي اللذي يغسل الكلى هو اللي مات وكادت الدهشه ان تعتصرني ولكن استاذ جميل اكمل كلامه .هو انت ما عرفتش هو انت ما بتقراش جرايد .ما تعرفش ان محسن مات وجلس بجواري في المكان اللذي كان يجلس به العم محسن . وطلب من سائقه ان يحضر الجرائد وظرف على الكنبه الخلفيه للسياره وعندما احضر الجرائد صعقني الخبر الموجود بالصفحات الاولى للجرائد الرسميه(وفاه السيناريست الكبير محسن زايد )كاتب افلام السقا مات وقلب الليل وقهوه المواردي وايوب والمواطن مصري .ومسلسل حديث الصباح والمساء والسيره العاشوريه والحرافييش والحاوي .كنت تحدثت امامه عن عدد من تلك الاعمال ولم اكن اعرف انه كاتبها ولم يكن يبادلني الحديث عنها بل تبتسم عينه ويزداد بريقها وروحه كانت تنتعش ولكن لاينطق بكلمه . نظر الي الاستاذ جميل وقالي هو انت ما كنتش تعرف انه كاتب سيناريو فأجبته انا كنت اعرفه هو . وسألني هو انت ماتعرفش انه اتجوز ممثله مشهوره وراحوا اسكندريه يقضوا اسبوعين ومات بعد عشر ايام .ثم اعطاني ظرف كبير وقالي ده محسن كان جايبهولك عشان ما تزهقش وانت قاعد لوحدك في انتظار صديقك طول جلسات الاسبوعيين عقبال ما يرجع .بس نسيه في عربيتي وما جاش في بالي غير لما افتكرت انها اخر حاجه من ريحته ثم ترك لي الظرف وانصرف فتحت الظرف فوجدت به ثلاث حلقات من مسلسل حديث الصباح والمساء فقد كان العم محسن يعلم مدى اعجابي بهذا المسلسل اللذي لم اعرف ان مؤلفه جالس بجواري .استرجعت ذكرياتي معه وكانت سيره الموت لم تأتي على لسانه الا مره واحده عندما خرجت جثه مريض بالمستشفى توفى وكانت تظهر على اسرته اثار النباح والعويل فقال عم محسن لي بعد ان دعى للمتوفي بالرحمه.(احنا في بلد اللي يموت فيها المفروض نقوله الف مبروك واللي عايش هو اللي نقوله الله يرحمك)- طب ده الميت هو الى حقه يعيط علينا ، يا عالم اعقلو بقى ما تضحكوش الأموات علينا . تصدق بالله أنا يوم ما أرقد رقدته ديه لاكون طاللكم من الخشبة ومطلعلكم لسانى يا مغفلين ! ” كان رحمه الله خفيف الظل والروح . في العزاء رأيت حشودا من فناني مصر كنت أراهم لاول مره في حياتي كان يسبقني في طابور المعزيين وحيد حامد وشريف عرفه ومحمد هنيدي وكان يقف استاذ جميل في صف من يستقبلون العزاء .كان استاذ جميل يصافح الفنانين باليد حتى جاء دوري فمددت يدي لاصافحه فقربني اليه ثم احتضنني ثم بدأ فاصل من البكاء لدرجه ان قميصي ابتل من دموعه . بعد فتره سافر صديقي للخارج بدعوه للعلاج من اخيه ولم يعد لمصر . وانقطعت عن الذهاب للمستشفى وانقطعت عن اي معرفه باستاذ جميل . وبعد ان غادر صديقي مصر انتابتني الوحده .كنت اذهب لكورنيش الزمالك اسبوعيا كل يوم جمعه اتناول السندوتشات ساعه العصاري على رصيف كورنيش النيل امام احدى البواخر اللتي كانت تنقل السياح للنزهه والغذاء ثم اذهب لاي حفله غنائيه بساقيه الصاوي . وفي احدى الايام وانا على كورنيش الزمالك اقترب مني شخص مهذب كامل الهيئه والوقار من بدله وكرافته وحذاء لامع وقال لي كلم البيه .فسألته بيه مين فأجابني البيه اللي كلنا بنشتغل عنده . واشار الى الباخره اللتي اتابعها ودخلت معه الى الباخره اللتي كانت اول مره لي تقترب قدمي منها .وصعدنا الى الطابق الثاني فوجدت الاستاذ جميل فاندهشت…
. كان قد رمقني من اعلى وطلب من موظف عنده ان يحضرني البه واخذ يداعبني وانا ممسك بشنطه السندوتشات هو انت لسه بتاكل طعميه وبطاطس فضحكت فقال لي الباخره ده بتاعتي .انزل اتغدى تحت فرفضت بأدب فقال لي تصدق محسن زايد صديقي كان كل مايوصلني لهنا اعزمه على الغداء في الباخره كان يرفض ويقول لي انه اتغدى معاك .ثم سالني هو انت قريت الورق اللي كان سابهولك هديه .فقلت له قريته لا ده انا حفظته .قالي فاكر حاجه من اللي كان كاتبها .قولت له (مسافر وسط اهلي وناسي لا عمري فهمتهم ولا عمرهم فهموني ).(ركاب قطر اللي بتيجي محطته بينزل .ما يعرفش حتى وش جاره اللي كان جانبه) .لن اجد الا بكاء متواصل من الاستاذ جميل .كانت دموعه من القلب يعتصره الألم .وقال لي بعد كده لما تيجي الزمالك ما تقفش على الرصيف ادخل الباخره وكل كل اللي نفسك فيه على حسابي انا صاحب المكان .ولكني لم اذهب الى الباخره لاحقا لاني كما علمني الاستاذ محسن (الرجاله ما بتهتمش ببطونها قدر ما تهتم بكرامتها ونخوتها).
الله يرحمك يا أستاذ محسن زايد .انا مش عارف العلاقات الانسانيه اللي من النوع ده تتسمى اه .لاهيه حب ولا صداقه انما هيه الحياه . عمر الإنسان مش أيام ولا شهور .. عمر الإنسان هي المواقف والشخصيات اللي عمره ما هينساها لحد ما يموت .. علشان كده في أيام لازم تمر ومش هتنقص عمرك بالعكس هتخليك تعيش .. إلى ان يأتي أمر الله وتصل الى محطتك ورب العزه راضي عنك.وانت ممسك بكتابك الذي ملأته بمشاعر الحب والموده والألفة ونصره الضعفاء والمقهورين ومناهضه الظالمين (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) …

شاهد أيضاً

د. محمد العدوي يكتب عن ثلاثية خالد الشيباني “تركة العم حَسّاب” – المنتدى الثقافي

تركة العم حساب كلنا نحب المال ونحلم بالثراء السريع .. وتتفاوت سلوكيات البشر تجاه المال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *