أخبار عاجلة
الرئيسية / من أعماله / قصائد / رحلة الليل و حكايات النهار / مشاهد من حياة شاب مصري – خالد الشيباني

مشاهد من حياة شاب مصري – خالد الشيباني

مشاهد من حياة شاب مصري
قصيدة سينمائية

 

مشهد 1 | محطة أوتوبيس | نهار – خارجي

يقف ” سراج ” منتظراً وسط جمع من الناس ويبدو عليه الشرود والوجوم ؛ ينتبه على أصوات المتدافعين للركوب فيكتشف أنه الأوتوبيس الذي ينتظره فيلقي بنفسه بعفوية شديدة وسط دوامة الصاعدين والهابطين حتى يختفي بداخله .. يمضي الأوتوبيس مخلفاً وراءه سحابة من الدخان

مشهد 2 |  إحدى المصالح الحكومية | نهار – داخلي

يدخل ” سراج ” مستفسراً من أحد السعاة بدون حوار مسموع فيدله بقلة اهتمام مشيراً بيده إلى أحد المكاتب قائلاً (آه المسابقة .. إسأل عند الأستاذ سعيد) * يتوجَّهُ سراج إلى المكتب الذي أشار إليه الساعي وقد بدت عليه علامات دهشة وتعجب من عدم اهتمام الساعي في الرد عليه ويخاطب الرجل الجالس خلف المكتب بتأدب (صباح الخير يا أستاذ سعيد)
ينظر إليه الرجل من تحت النظارة الطبية دون أن يرفع وجهه ويجيب
( صباح النور خير يا حضرت ؟ ) يصاب سراج بالإحباط من طريقة إجابته فهي غير مبشرة ولكنه يواصل حديثه معه بتأدب (خير إن شاء الله أنا كنت مقدم في مسابقة التعيينات اللي أعلنت عنها الشركة وجي أسأل لو كنت) يقاطعه الرجل ببرود ( لأ يا أستاذ ) يظهر على سراج الحرج والارتباك ويقول بحيرة ( لأ إيه حضرتك ؟ ) فيجيبه الرجل ببرود ( لأ سيادتك متقبلتش في المسابقة ) فيقول سراج بشيء من الغضب ( حضرتك معرفتش إسمي إزاي ؟ ! ) فيقاطعه الرجل للمرة الثانية ( من غير ما أعرف أسامي أنا عارف اللي اتقبلوا في المسابقة و انت مش منهم )
يقف صامتاً واضحاً عليه خيبة الأمل فيقول الرجل بنبرة صوت تدل على التعاطف معه ( يا ابني المسابقات دي بتتعمل كإجراء روتيني سد خانه يعني .. لكن معروف إن قرايب أعضاء مجلس الإدارة ورئيس الشركة والموظفين الكبار هما اللي بيتقبلوا فيها ودول اتعينوا خلاص من أول يوم في المسابقة .. ودول مبيجوش يسألوا اتقبلوا ولا لأ .. لإن) فيقاطعه سراج هذه المرة قائلا (متكملش يا أستاذ أنا عارف الباقي سمعته كتير لحد م حفظته زى إسمي ممكن الدوسية) ينظر الرجل متفحصا وجه سراج للحظة ثم يقول (ممكن قوى اسمك إيه يا بني ) يجيبه سراج بحزن وكأنه لا يحب اسمه (سراج الدين أحمد السيد ) يبحث سعيد في تل الدوسيهات وهو يغمغم (سراج الدين أحمد ..سراج الدين .. سراج آه .. أهوه ) يفتح الرجل الدوسية ويلقي نظرة سريعة فيه ثم يناوله إياه قائلاً (معلش يا ابني .. ربنا يسهّلك الأمور .. بكرة تتعدّل ) ينكس سراج رأسه ويأخذ الدوسية وينصرف بتأدب فيتعجب الرجل ويقول مخاطبا نفسه وهو يراقب سراج ينصرف (سبحان الله بكالوريوس علوم تخصص كيمياء وجايب امتياز ومقبلهوش في الصرف الصحي .. زمن ) .

مشهد 3

اِحتواهُ الآنَ منزلُهُ
وانعدامُ الوزنِ يأكلُهُ

كان يحيا في انتظارِ غدٍ
بيـنَ أيـّــامٍ .. تؤجّـلُهُ

لو أزاحتْ خطوةٌ قدماً
ثارتِ الأخرى تُعرْقلُهُ

أَدْخلوهُ العمرَ مندفعاً
خلف تعليمٍ يحصّلُهُ

وانتهى حبراً على ورقٍ
دونما دورٍ يمثِّلُهُ

مشهد 4 | فيلا فخمة بأحدى الأحياء الراقية | ليل – خارجي

يصل للمشاهد صوت حفلة صاخبة مقامة داخل الفيلا ممتزجاً بهطول أمطار خفيفة تبتعد الكاميرا بحركة فجائية لتظهر البوابة وبجوارها كشك صغير للأمن يجلس فيه سراج مرتدياً زي أحدى شركات الأمن ويقرأ في مصحف بحجم كف اليد على إضاءة كشاف أعلى السور تدخل من فتحة بجدار الكشك الخشبي .. تقترب الكاميرا من سراج الذي يعطس ثم يواصل القراءة ؛ ينفجر فجأة بوق سيارة أطلق بشكل هيستيري فينتفض ويقوم من جلسته لتغمر عينيه أضواء الكشافات العالية التي أشعلها سائقها في عصبية فيخفي عينيه بيديه ثم يتجه للسيارة باستكانة قائلاً ( مساء الخير يا أستاذ سامح أي خدمة ؟ ) يرد سامح بتعجرف (خدمة .. منك انت ؟! ) يقف سراج مندهشا لا يدري ماذا يفعل أو كيف يرد فيقول سامح بعصبية (إنت مش شايف البوابة مقفولة .. مستني إيه؟! .. م تفتحها !) ينكس سراج رأسه ويقول (البوابة آه .. أنا آسف كنت فاكر عم محمود البواب هنا) يهم سراج بالاتجاه للبوابة فيقول سامح بقلة ذوق (حتى لو كان هنا أمال إنت لازمتك إيه ؟ ) يقول سراج مخاطبا نفسه ( لازمتي إيه .. صحيح أمن ولّا بواب مش فارقة ) يفتح سراج البوابة فتندفع السيارة لداخل الفيلا وتتعالى أصوات ضحكات وموسيقى صاخبة من الحفلة ؛ يعود سراج لجلسته بالكشك ويحكم التفاف الكوفية حول عنقه ثم يواصل قراءة القرآن بنبرة تمتزج ببدايات نشيج البكاء

مشهد 5

حـلمُهُ المنهارُ في دمـهِ
يصهرُ الوجدانَ يقتلُهُ

ضحكةُ الأصحابِ يسمعُها
طيفُ مـاضٍ .. باتَ يجـهلُهُ

لا طـريقاً كي يسيرَ بهِ
إنَّما غَصباً سيكملُهُ

شاهدَ المقهى بأعينِهِ
قبضةً للموتِ تحملُهُ

فارتدى الأمطارَ يحرسهُم
وسْطَ قرآنٍ يرتّلُهُ

مشهد 6 | منزل سراج في الصباح الباكر | نهار – داخلي

تدور الكاميرا في أنحاء الشقة المتواضعة شبه المقفرة من الأثاث والخالية من الأجهزة سوى من تلفاز متهالك ” أبيض وأسود ” وثلاجة ليست بأفضل حالاً من التلفاز وتليفون من ( تليفونات القرص ) ارتكن بجوار كنبة بلدي بمنتصف الصالة ؛ تتوقف الكاميرا عن دورتها في المنزل أمام ساعة حائط تشير عقاربها لتمام السابعة صباحاً فتطلق سبع رنات معدنية يقطعها رنين الهاتف الذي انطلق وكأنه ينتظر دقاتها ؛ يفتح باب الشقة ويدخل سراج ” العائد من العمل ” متجهاً للهاتف دون تعجل يرفع السماعة ويجيب بفتور ( ألو ) يرد عليه صوت أمنية فيصمت سراج وكأنه صدم فتقول ( سكت ليه ؟ ) يظل سراج صامتاً فتكمل أمنية حديثها بحنق (مجيتش ليه امبارح بابا فضل مستنيك للساعة تمانية؟) وهنا يرد سراج بحزن (أنا آسف يا أمنية بس مكنش ينفع آجي) ترد أمنية بقلق (خير يا سراج حصل حاجة ؟) يبتسم سراج بحسرة تشوبها السخرية ويقول (اطمني يا أمنية محصلش حاجة وعشان كده أنا مجتش ؛ لإن مفيش حاجة جديدة حصلت تخليني آجي أقابل والدك) ترد أمنية بقلة حيلة (وأخرتها .. ده رابع عريس أرفضه والمرادي بابا وماما بيضغطوا عليا أكتر من أي مرة ومش عارفة أعمل إيه ..انت عارف إني استنيتك تلت سنين بعد الجامعة يعني بقالي سبع سنين بارفض أي حد يتقدملي وانت حتى مجيتش تكلم بابا ..أنا مش بألومك أنا عارفة الظروف بس قوللي أعمل إيه ؟) يظل سراج صامتاً فتقول أمنية بحزن مختلط بالرجاء (سراج .. مبتردش عليا ليه بأقولك المرّادي بابا وماما بيضغطوا عليه غير كل مرة العريس مدرس شغال في الخليج وعايز يتجوز ويرجع تاني وأنا مش عارفة اعمل إيه .. اعمل إيه ياسراج ؟ .. سراج ..سراج ) .

نَكّسَ العينينِ يخبرُها
بانتحارٍ سوفَ يقبلُهُ

عانقي أغلالَ خاتمِهِ
ليسَ عندي .. ما يبدلُهُ

رحلةُ التنقيبِ عَنْ عملٍ
أوجبتْ ما عدتُ أفعلهُ

أيُّ حلمٍ كنتُ عاشقَهُ
صارَ يشقيني تخيُّلُهُ

مشهد 7

ارتمى في كلِّ زاويةٍ
راغباً منْ ليسَ يهملُهُ

وجْهُهُ شخصٌ يصارعُهُ
عـالـمُ المـرآةِ يرسـلُهُ

كيفَ ينجو المرءُ منْ خطرٍ
نَفْسُهُ صارتْ تشكّلُهُ ؟

مشاهد من حياة شاب مصري
سيناء يونيو 2003

 

شاهد أيضاً

مدينة من الكلمات – خالد الشيباني

سأرحلُ والليـالي دونَ أن ألقاكِ تحترقُ وعمري في دروبِ سواكِ طفلٌ يعتريهِ اليتمْ مشاعرُ فارسٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *