أخبار عاجلة
الرئيسية / من أعماله / روايات ومجموعات شعرية / رواية بلا جدران – خالد الشيباني

رواية بلا جدران – خالد الشيباني

رواية تدور احداثها ابتداء من العام 2000
جميع أحداث الرواية .. مستوحاه من خيال المؤلف .. والتشابه الكبير .. بينها وبين واقعنا .. ربما يكون بسبب .. أن الخيال .. أصبح سجيناً .. بين جدران الواقع .
مقتطفات من الكتاب

( أنا الهامش الخالي .. الذي لم يكتب فيه أحدْ .. أيَّ شيء .. إلى متى ؟ .. سأظل أتحدث إلى نفسي ؟ .. مللت الحديث مع الآخرين .. كلنا متشابهون .. نفس الرغباتِ تتأججُ .. في نفوسِنا .. نفسُ الذراتِ في الأجسادْ .. اِختلافُ البصماتِ .. مجردُ تمييزٍ .. لمعرفةِ الجاني في الجرائم ليس إلا .. أتُراني أصبحت فيلسوفاً .. كلُّ الفلاسفةِ متشابهون أيضاً .. أشخاصٌ .. رفضوا التأقلمَ مع الواقع .. و حاولوا تغييره .. وكأنهم .. يستطيعون )
بلا جدران رواية ل .. خالد الشيباني

صدرت الطبعة الأولى في يناير 2017 من مدبولي للنشر والتوزيع

مقالات كتبت عن رواية بلا جدران لخالد الشيباني

كمال سلطان يكتب بلا جدران رواية للعبقري خالد الشيباني

رؤية فلسفية عن رواية بلا جدران لخالد الشيباني

 

 

 

رواية

بـِـلا جـُدران

 

خالد الشيباني

 

 

جميع أحداث الرواية مستوحاة من خيال المؤلف ..

والتشابه الكبير بينها وبين واقعنا ..

ربما يكون بسبب أن الخيال أصبح سجيناً بين جدران الواقع.

#مقطع_1

الفصل الأول

الهامش الخالي

(أنا الهامش الخالي الذي لم يكتب فيه أحد أي شيء .. إلى متى سأظل أتحدث إلى نفسي؟ مللت الحديث مع الآخرين. كلنا متشابهون؛ نفس الرغبات تتأجج في نفوسنا .. نفس الذرات في الأجساد .. اِختلاف البصمات مجرد تمييز لمعرفة الجاني في الجرائم ليس إلا .. أتراني أصبحت فيلسوفاً .. كلّ الفلاسفة متشابهون أيضاً .. أشخاص رفضوا التأقلم مع الواقع وحاولوا تغييره .. وكأنهم يستطيعون). ظلّ مصطفى محدقا في شاشة حاسبه الآلي حتى قاطعه صوت ضحكة أنثوية ساخرة أعقبها صوت صاحبتها المنبعث من سماعات الحاسب (للعلم .. أنت مجنون .. لكنك لذيذ .. لقد تصورت للحظة أنك بالفعل لا تحدثني يا مصطفى .. الوقت تأخر  .. فلنكمل الحديث غداً .. مصطفى .. مصطفى .. ههههه ..تصبح على خير). لم تكن الفتاة تتصور أن مصطفى الشاب الذي أنهى عشرينات عمره وبدأت شعيرات بيضاء قليلة تطل في رأسه لتعلن عن أعوامه الثلاثين لم يكن يحدثها بالفعل .. إنه لم يكن يتذكر حتى اسمها .. بل لم يكن يعرفها .. فمنذ أدمن العلاقات العابرة على شبكة الانترنت تشابهت النساء في مخيلته تشابه الأيام من حوله.

كانت وسامته المعتدلة مدخلا جيدا يجذب النساء إليه في هذا العالم الافتراضي الذي بدأ يتسلل إلى أرض العرب في أواخر الألفية الثانية التي أوشكت على الانتهاء هى الأخرى .. لم يبق سوى يومين على بدء الألفية الثالثة .

أصدقاؤه قليلون رغم أنه لم يكن انطوائيا في البداية .. لكن تجاربه مع الأصدقاء كانت كفيلة بجعله انطوائيا؛ في آخر ليالي رأس السنة في الألفية تذكره صديقه هاني وفي محادثة سريعة على الهاتف المحمول اتفقا على التلاقي أمام أحد المطاعم الكبرى بمصر الجديدة ليمضيا سهرة مقامة في منزل أحد أصدقاء هاني؛ ورغم أن العالم الافتراضي الذي يعيشه مصطفى كان كافياً بالنسبة له إلا أنه قرر الذهاب؛ مر الوقت سريعا ومصطفى ينتظر قدوم هاني فالمشهد أمام مصطفى كان مسلياً بل وترفيهياً؛ ملابس الجميع تعبر عن الاحتفال .. مزيج غريب من العطور .. بالونات وأقنعة ونماذج مصغرة من ” بابا نويل “، أغنيات مختلفة تظهر وتختفي مع مرور كل سيارة؛ ضحكات تنبعث كل فترة من أماكن متعددة حوله.

انتظر مصطفى لأكثر من نصف ساعة حتى قرر الاتصال بهاني على هاتفه المحمول .. ولكن ..

(عفوا لقد نفذ رصيدكم) جملة انبعثت من هاتف مصطفى لتسكت أصوات المشهد الصاخب أمامه وتدخله عالمه .. هل ما معه يكفي لشراء كارت شحن .. وإن كان فهل سيبقى معه ما يكفي للعودة لمنزله ؟ ؛ تساءل ثم تحسس مصطفى جيبه بحركة لا إرادية ثم ابتسم لتذكره العشرين جنيه التي أنعمت أمه عليه بها من يومين فهولم ينفقها ؛ كان قرار التوقف المؤقت عن التدخين صائباً؛ توجه مصطفى مسرعا لأحد محلات المحمول التي تظهر له لافتتها المضيئة عن بعد وعند خروجه من المحل حاملا كارت الشحن اصطدمت عيناه بوجه يعرفه لإمرأة في منتصف الثلاثينيات من العمر لكنه لم يكن يتذكر من هى تلك المرأة ؛ لكن اتساع حدقتيها والتعبير الذي ارتسم على وجهها أكدا له أنها تعرفه جيدا؛ أسرعت المرأة في خطاها واندفعت في مدخل العمارة شبه المظلم ثم استدرات ونظرت لمصطفى وهى تتلفت حولها ؛ هنا تذكرها مصطفى إنها السيدة سهير .. امرأة مطلقة في منتصف الثلاثينات فهذا هو الوصف الذي كتبه عنها في الماسنجر؛كان وصل لهذه المرحلة من تعدد العلاقات وكان يجب أن يكتب نبذة مختصرة تذكره بمن يعرف من النساء. اتجه مصطفى من المنطقة المضيئة في الشارع المزدحم إلى مدخل العمارة شبة المظلم حيث تقف سهير التي عاجلته بقولها (ماذا تفعل هنا؟)

يصمت مصطفى للحظة ثم قال (أقوم بشراء كارت شحن) تتنفس سهير الصعداء ثم تقول (لقد ظننتك جننت وأتيت لتلقاني) يظهر انطباع الدهشة على وجه مصطفى وهو يجيب (أتسكنين هنا؟!.. أنتِ لم تخبريني بمكان سكنك أبداً) يظهر الاضطراب على سهير فقد بات جليا لمصطفى تعدد علاقاتها هى الأخرى؛ فيسقط هاتفها المحمول من كفها الذي أمسك بالعديد من شنط المشتريات معه فيسارع مصطفى بإلتقاطه من على الأرض ويناوله لسهير وهنا تلمع فكرة سرعان ما تتبخر من عيني سهير  عندما تذكر وجود أبنائها في المنزل فتمط شفتيها بمرارة و تقول (كل عام وأنت بخير .. ألفية جديدة سعيدة) يبتسم مصطفى فقد قرأ الفكرة التي راودت عينيها وعلم أن هناك سببا قويا يمنعها من عرضها عليه فلم يحاول إحراجها وانصرف بعد أن اتفقا على اللقاء على الانترنت قريبا وخرج متسللا من مدخل العمارة كي لا يراه أحد فتبسمت له سهير ممتنة.

بمجرد خروج مصطفى إلى الشارع المزدحم المضيء يتذكر موعده مع هاني وتأخره في الحضور فيقوم بخدش الكارت بسرعه وهو يسير إلى مكان اللقاء المتفق عليه مرةً أخرى ويتصل بهاني الذي كان نسى قدومه أصلا وسط دخان السهرة التي بدأت مبكراً؛ لكنه يطالبه بالانتظار في مكانه حتى يأتى لاصطحابه .. في لحظات الانتظار حاول مصطفى تذكر سهير .. لم يكن بينهما ما يخجلان منه لكن علاقة شاب أعزب بامرأة مطلقة ووحيدة تثير الشبهات في أذهان الجميع والرغبات أحياناً في الطرفين؛ كانت تحتاج لمن تتحدث معه وكان يحتاج لامرأة أي امرأة تشعره بذكورته أو بوجوده على وجه الأرض؛ حضور هاني المفاجيء لمكان اللقاء وكلامه المتصل حول جمال السهرة يشعل الفضول في نفس مصطفى ويقطع حبل أفكاره حول سهير.

دخان كثيف وضحكات أشدّ كثافة .. فتيات يتفنن في إظهار مفاتنهن مع الإصرار الواضح على إظهار أنهن محترمات ببعض الجمل الدينية التي لا تتناسب مع الدخان والعري مطلقاً ومحاولة تفادي لمسات الشباب المباشرة أو الخادشة للحياء لهن في انفصام رهيب للشخصية جعل مصطفى يقطب حاجبيه ويسند ظهره على الأريكة فيناوله هاني لفافة الحشيش ليرفضها مصطفى فقد كفته الأنفاس القليلة التي دخنها عند حضوره وفتحت للخدر طريق جسده وأدخلته بعداً موازياً للواقع.

احمرت وجنتا مصطفى عندما ارتمت لميس بنت العشرين بجواره على الأريكة ولامسه جسدها الناعم فبرغم جراءة مصطفى مع النساء عن بعد كان خجولا جدا في عالم الحقيقة؛ نظر مصطفى في عيني لميس فآذاه رؤية السكر يغمر عينيها. رؤية المرأة تترنح سكراً لا تسعد إلا أشباه الذكور .. جلس يتفرس في ملامحها قليلا ففاجأته بإرخاء رأسها على ذراعه الممتد على الأريكة خلفها .. حاول الاستمتاع باللحظة لكنه لم يستطع عندما تأكد من غيابها عنها فلم تكن ذراعه سوى أقرب وسادة وجدتها لتريح رأسها المثقل عليها؛ تلفت مصطفى حوله .. هو في منزل شخص غريب يتمتع ببعض الثراء لكن هاني لم يعرفه بصاحب المنزل ولم يهتم مصطفى بمعرفته؛ بدون مقدمات رحل مصطفى تاركا دخان السهرة في هدوء دون أن يخبر أو يُشعر أحد .. أتراهم كانوا سيشعرون برحيله إن أخبرهم؟ أترى رحيله كان مؤثرا في أحد؟ هل تركَ فراغا عندما رحل؟ إجابة وحيدة لكل الأسئلة:”بالطبع لا”؛  كان مجرد شخص عابر في الحفل  كما هو في الحياة كلها  .. ضيف هامشي دعاه صديق قديم حاول التسرية عنه بسهرة من الصعب أن يقضي مثلها وسط ظروفه المادية الراكدة وطبقته المتوسطة التي كادت أن تنقرض.

***

كان مجمع التحرير خلية نحل عشوائية؛ مصعد معطل للجميع سوى لكبار الموظفين ؛ ضوضاء تفوق الحد ؛ سلالم بمجرد ارتقائك لأولى درجاتها تشعر كأنها تحولت لسلالم كهربائية فجسدك يتحرك وحده من فرط الدفع المنتظم للبشر صعودا وهبوطا والتكدس البشري الرهيب؛ لكن مصطفى تناسى كل الضيق من التزاحم والضوضاء فور أن أصبح جواز السفر في يديه وعليه تأشيرة غير مطلوب للتجنيد؛ رحلة طويلة حتى هذه اللحظة فرسوبه المتكرر والمتعمد لرغبته في عدم فَقْد نافذة الحياة الوحيدة أمامه في كلية الآداب قسم الفلسفة أوصله إلى السادسة والعشرين من العمر؛ وقرار إكمال الثلاثين من العمر دون تقديم أوراق التجنيد كان إجباريا .. بعدما جعله المرض المفاجيء يتخلف عن دفعته فكان سيؤدي الخدمة لا محالة وبمدة جزائية زائدة؛ فقرر التخلف حتى الثلاثين التي كان تبقى عليها القليل بعدما طمأنته والدته أنها ستساعده في دفع غرامة التاخير ببيع شيء مما تبقى لها من مصوغاتها الذهبية ؛ ليحاول السفر للخارج والبحث عن أي فرصة لتغيير ظروفه المعيشية؛ فشقيقاه اللذان يكبرانه بقرابة العقد من الزمن لم يجدا فرصتهما في القاهرة ؛ أكبرهما “سعيد” استقر في دولة عربية منذ أكثر من خمسة عشر عام والأصغر “إيهاب” تزوج من زميلته الجامعية ابنة مدينة السويس وبعد التخرج انتقل للعيش هناك وعمل مع والدها في محاله التجارية؛ وفرص العمل المتاحة لخريج قسم الفلسفة لم تكن سوى في التدريس الذي لم يكن مصطفى الهاديء بطبعه وقليل الكلام يبدي أي رغبة فيه أو يرى مستقبلا في اتخاذه مصدرا للرزق؛ وحتى محاولاته النادرة للعمل بأي مدرسة لم تحظ بالنجاح ولم يقبل في أي منها.

***

(أخيراً سيمكنني الرحيل) قالها مصطفى لأمه التي أظهرت السعادة رغم حزنها الشديد لاقتراب فراقه كشقيقيه .. فالآن ستعيش بين الجدران في انتظار لقاء زوجها الراحل بعد أن هجرها الأبناء للبحث عن لقمة العيش؛ لكنها أدت رسالتها .. كان تساؤل مصطفى الوحيد هو متى سيرسل شقيقه سعيد دعوة الزيارة ليلحق به في الدولة العربية ومن ثم يلحقه بأي عمل يؤهله للحصول على الإقامة الدائمة فيها مثله؛ لمح مصطفى الحزن الذي حاولت أمه إخفائه في إعماق عينيها فاحتضنها وأكد لها أنه يجب أن تلحق بهم لتعيش معه ومع أخيه هناك .. ولن ينقصها إلا رؤية شقيقه إيهاب الذي سيمكنهم زيارته وسيمكنه زيارتهم من حين لآخر؛ لكن الأم ابتسمت وربتت على كتف ابنها مؤكدة له أنها لن تترك بيتها وذكرياتها وطيف أبيه الذي ما زالت تشعر به حولها في منزلهم؛ وستحيا سعيدة في انتظار قدوم كل منهم لزيارتها عندما تسمح ظروفه؛ كانت أمّا وامرأة مثالية كحال أغلب أمهات ذاك الجيل؛ لقد بذلت كل ما في وسعها لمساعدته ولمحاولة إشعاره بالسعادة؛ حتى أنها منحته الهاتف المحمول الذي أهداه إليها شقيقه الأكبر ليكون على تواصل دائم معها وهو في غربته؛ فامتلك مصطفى رفاهية كبيرة ومكلفة في ذلك الوقت.

انتظر مصطفى حتى نامت والدته وقام لتشغيل حاسبه الآلي؛ كان متحمساً وسعيداً على غير عادته مما أشعل فيه الرغبة في التدخين؛ فغادر المنزل الخالي من لفافات التبغ ليشترى بعضا منها وعند عودته للمنزل فوجيء بسيارة شرطة تسير مسرعة نحوه؛ هبط  منها العديد من الرجال واتجهوا لمدخل عمارته وسأله الظابط في فتور (مصطفى أحمد الغرباوي .. يسكن هنا أليس كذلك؟) هنا تغطي كل ألوان الدهشة وجه مصطفى ويتحجر جسده فيتعجب الضابط ويقول (لماذا لا تجيب .. ماذا بك ؟) يتوقف جميع الرجال الذين كانوا يتجهون لمدخل العمارة وينظرون لمصطفى المتحجر وهو يقول بعد أن أخذ نفسا عميقا (أنا مصطفى).

#مقطع 2

لم يستطع مصطفى استيعاب سبب اقتياده لقسم الشرطة بهذه الطريقة وفي هذا الوقت المتأخر من الليل وبهذا العدد الكبير من رجال المباحث ولم يجب أحد أي تساؤل له طوال الطريق حتى وجد نفسه أمام رئيس المباحث الرجل الممتليء بشكل طفيف الذي جاوز الأربعين بأعوام قليلة والذي ظن أن مصطفى يمثل عدم معرفته بسبب القبض عليه حتى مل فألقى أمام مصطفى صورا لسهير السيدة التي التقاها في ليلة رأس السنة وهى مقتولة ثم قال ببرود (أنت متهم بقتل السيدة سهير إبراهيم فهمي .. المقيمة في عقار 16 بشارع ..). يصمت رئيس المباحث ويتوقف عن سرد تفاصيل التهمة والجريمة عندما يرى لوحة الذهول العارم المرتسمة على وجه وجسد مصطفى الذي بدأت أعصابه تنهار وعيناه تدمعان من فرط الذهول.

يجلس رئيس المباحث ويشعل لفافة تبغ ثم ينظر لمصطفى ويناوله لفافة فيشعلها ويبتلع أنفاسها بتوتر كبير؛ يتفرس رئيس المباحث في وجه مصطفى فيقع في قلبه تصديقه لكنه يواصل سرد الوقائع عليه (كاميرا المراقبة بأحد المحال تحت مسكنها صورتك وأنت تعدو داخلا للمبنى والمعمل أظهر وجود بصمتك على هاتفها المحمول). يتذكر مصطفى ما جرى عند لقائه بسهير وكيف سقط هاتفها من يدها وناوله لها و كيف دخل المبنى مسرعا عند ندائها عليه وكيف خرج متسللا من الجانب المظلم كي لا يراه أحد. (أكنت تعرفها؟)  قالها رئيس المباحث وهو يغرس عينيه في ملامح مصطفى الذي قال بصراحة (نعم .. كنت) فيعاجله الضابط بقوله (لماذا قتلتها؟) فيرد مصطفى مفزوعا (لم أفعل .. لقد التقينا صدفة .. وهاتفها سقط من يدها فناولته لها .. هذا كل ما حدث) يفكر الضابط في إمكانية أن يكون الجالس أمامه تعيس الحظ لهذه الدرجة التي تربطه بهذا الشكل المحكم بجريمة قتل ثم يواصل حديثه له (ما طبيعة معرفتك بالقتيلة .. ما علاقتك بها؟) هنا يظهر التوتر على مصطفى للحظات فيعلو وجه رئيس المباحث انطباع إدراكه أن علاقتهما كانت آثمة فيعاجله مصطفى بقوله (لا .. لقد كنا نتحدث على الانترنت كصديقين ليس أكثر .. وكانت أول مرة نلتقي .. أقسم كانت صدفة  .. وليس بيننا أي شيء) تنساب الدموع في عيون مصطفى فالموقف أكبر من طاقته بكثير؛ من منا يستطيع مواجهة موقف كهذا دون أن ينهار ويبكي؛ من الصعب أن يفكر المرء في إحساس أصعب من إحساس بريء يتهم بالقتل ويشعر بثبوت التهمة؛ رجال المباحث يرون دموع التماسيح في عيون جميع المجرمين ويعتادون على تجاهلها؛ لكنّ رئيس المباحث الخبير في البشر كان لديه الكثير من القدرة على التمييز ولهذا فقد أعطى أوامره ألا يبيت مصطفى ليلته في حجز القسم بل في حجرة “الثلاجة”، وهى الحجرة التي يتنظر فيها المتهمون والشهود مقابلة رجال المباحث والتي غالبا ما تكون خالية في المساء. لم تكن قضية رئيس المباحث  ففي الصباح سيتم ترحيل مصطفى إلى قسم مصر الجديدة الذي تمت فيه الجريمة والذي بعث بإشارة إلقاء القبض عليه لمباحث حي العباسية حيث يقيم مصطفى؛ وسط ظلام الحجرة الواسعة تحولت اللحظات إلى كتل صخرية ضخمة تسحق مصطفى عند مرورها عليه؛ أصيب عقله بالشلل من كثرة الأفكار التي تطارده؛ ماذا سيحدث له .. أمن المعقول أن يعاقب لجرم كهذا وهو لم يقترفه؟ وفي خضم الأفكار تذكر الله فبكى؛ ربما كانت آثامه أكبر مما تصور فاستحق هذا العقاب .. ربما محنة .. ابتلاء .. ما الذي يجري ؟ هنا ينتشله صوت فتح باب حجرة الثلاجة من هذه الأفكار التي تنهش وجدانه وتنساب منه خيوط النور القادمة من الخارج لتدارى ظلام الحجرة خلفها؛ حاول مصطفى تبين سبب فتح باب الحجرة لكن الإضاءة المنبعثة منه آذت عينه التي كانت قد تعودت على الظلام؛ يقترب وقع خطوات آتٍ من بعيد؛ خطوات مليئة بالثقة تعرف طريقها جيداً حتى تصل إلى باب الحجرة فيدخلها صاحب الخطوات الواثقة وهو رجل في منتصف الثلاثينات من العمر ملامحه أرستقراطية يرتدي حلة أنيقة جدا ونظارة شمسية سرعان ما يضعها جانبا لتظهر عينيه المتقدتين ذكاء .. وتحاصر نظراتها الحادة وجه مصطفى المستلقي على الأريكة في ظلام الحجرة ؛ أمين الشرطة الذي فتح الباب ليدخل صاحب الخطوات الواثقة يضغط زر الإضاءة ويخرج تاركا الحجرة ومغلقا الباب؛ يتفحص الرجل وجه مصطفى ثم يجلس مخرجا علبة سجائر معدنية ويناول مصطفى إحدى لفائفها ثم يشعلها له ويعيد العلبة لجيبه فيظهر التعجب على وجه مصطفى فيقول الرجل (لقد توقفت عن التدخين .. لكني لم أتوقف عن إهداء الآخرين لفائف التبغ). يستمتع مصطفى بأنفاس اللفافة الفاخرة للحظات فيتأمله الرجل ويقول (ستخرج من هنا إلى قسم مصر الجديدة .. وترحّل إلى النيابة التي ستأمر بحبسك خمسة وأربعين يوما على ذمة التحقيق .. وتحاكم ويصدر الحكمإما بالمؤبد أو .. بالإعدام). يصاب مصطفى فجأة بنوبة سعال فيربت الرجل بكفه على كتف مصطفى ويواصل حديثه (لدى عرض لك .. ما رأيك لو تجنبت هذا كله وعملت لصالحي .. العمل لطيف ..لكنه لثلاثمئة وخمس وستين يوما في السنة بلا أجازات مدى الحياة .. أظنه أفضل بكثير من السجن المؤبد أو الإعدام). تتسع حدقتا مصطفى مما نطقت به شفتا الرجل وقبل أن يستطيع أن يرد بأي شيء يقف الرجل ويواصل حديثه وهو يتجه لباب الحجرة (الاختياران أمامك .. فضيحة وسجن مؤبد أو إعدام .. أو براءة من سراى النيابة وعمل شاق معي. إن كنت تفكر في تجربة حظك مع القضاء .. فبمنتهى الصراحة التهمة ملتصقة بك كعلكة في شعر الرأس). هنا يندفع مصطفى قائلا (ولكني بريء) يطأطأ الرجل رأسه ثم يقول (صباحاً سيأتي أمين الشرطة لترحيلك وسيسألك أتريد إخبار السيد زياد بشيء .. هذا إسمي .. زياد .. إن قلت له لا، ساعرف أنك وافقت .. وإن رفضت قل له لا أريد رؤيته مرة أخرى) وفي لحظة خاطفة كان الرجل صاحب الخطوات الواثقة قد غادر الحجرة تاركا مصطفى ذرة في مهب الريح.

ظلّ عقل مصطفى يدور بالأفكار كمفاعل نووي؛ لم يغمض له جفن؛ تخيل للحظة أن زياد هذا محض تخيلات لكن بقايا لفافة التبغ الملقاة على الأرض بجواره كان دليلا أنه كان موجودا وفي النهاية ظل مصطفى يردد محدثا نفسه (عمل لطيف .. لثلاثمئة وخمس وستين يوما في السنة بلا أجازات مدى الحياة .. أم السجن المؤبد أو الإعدام).

 

#مقطع_3

في الصباح الباكر فُتح باب الحجرة مرة أخرى ودخل “سيوفي حسن” أمين الشرطة البدين الذي كسا رأسه شعرٌ رماديٌّ  يدل على سنين عمره التي تعدت الخمسين ثم قام بوضع أحد الأغلال الحديدية في يده والآخر في يد مصطفى الذي ظل محدقا في وجهه ليسأله فلم يقل شيئا واقتاده لخارج قسم الشرطة ليركبا سويا في صندوق أحد سيارات الترحيل الصغيرة التي انطلقت فور أن وطأت أقدامهما داخلها؛ دبّ اليأس في صدر مصطفى وبدأ يشعر أن أمين الشرطة لن يسأله أي شيء؛ ربما كان تخيلا بالفعل .. وربما سحب الرجل صاحب الخطوات الواثقة عرضه .. وربما ؛ هنا ينطق أمين الشرطة أخيرا ( للعلم .. ما يحدث خدمة خمس نجوم .. سيارة ترحيل لك وحدك .. ألك أقارب مهمون .. أم أن هذا لكونك متهم بالقتل ويخافون هروبك لو نقلت بالمواصلات؟) نظر مصطفى لأمين الشرطة بخيبة أمل وقال (لست أدري). يُخرج أمين الشرطة علبة سجائره ويشعل سيجارتين واحدة له ويناول الأخرى لمصطفى ثم يقول (أنا المساعد أول “سيوفي حسن”) ينتظر سيوفي أن يعرفه مصطفى بنفسه فيستدرك قائلاٌ (مصطفى). يسحب سيوفي نفساً عميقاً من سيجارته ويقول (ونعم الأسماء) ثم يصمت للحظات فيظن مصطفى أنه لن يتحدث مرة أخرى فيفاجئه سيوفي بقوله (أتريد أن تقول شيئا للسيد زياد؟) يتنفس مصطفى الصعداء فشكه في أن يكون تخيل زياد تضخّم في نفسه بعد مرور الكثير من الوقت دون أن يسمع هذا السؤال؛ لم يكن مصطفى قد توصل لقرار فسحب نفسا من سيجارته و قال (أتظنني أستطيع إثبات براءتي؟).ينظر له سيوفي وهو يحاول فهم مغزى السؤال ثم يقول (تهمة القتل من التهم الخطيرة .. والاتهام فيها لا يوجّه دون سند قوي .. لكن إن كنت بريئا ربما) ينكس مصطفى رأسه ثم يقول بصوت منخفض ودمعة تنساب من عينه (لا تقلْ شيئاً) يبتسم سيوفي ثم يربت على كتفي مصطفى.

***

(إخلاء سبيل من سراى النيابة بدون ضمان). لم يصدق مصطفى أذنيه وهو يسمع تلك الجملة من وكيل النيابة؛ رغم كونه رأى كيف تبخرت أدلة إدانته. لم يعد يظهر في شريط مراقبة المحل الذي كان يظهر فيه .. لقد استبدل وجهه فيه بوجه شخص آخر .. أما البصمة التي استدل عليه منها عند مضاهاتها ببصمته المأخوذة من الفيش والتشبيه الذي أجراه في طلب أحد الوظائف فقد أرسل المعمل الجنائي  تصحيحا يؤكد أنه كان هناك عطلاً في نظام تعقب البصمات والبصمة غير مطابقة لبصماته ؛ سيل من الأفكار كان يضرب رأس مصطفى أنقذه منه سيوفي أمين الشرطة الذي اقترب ليناوله أحد أجهزة المحمول؛ وضع مصطفى المحمول على أذنه فسمع صوت زياد يقول بهدوء (مبارك عليك البراءة .. حضّر شنطة السفر وودع الوالدة .. اخبرها أنك مسافر لألمانيا في فرصة عمل تقدمت إليها من فترة ولم تخبرها لكونك تشك في قبولك  .. سيارتنا ستمر لاصطحابك من منزلك في الثامنة مساء. لا تنس أخذ جواز السفر معك كي لا تثير الشكوك). ظل مصطفى متسمرا في مكانه  كالتمثال حتى اقتاده سيوفي لإنهاء إجراءات الخروج من سراى النيابة وعلم منه مصطفى في طريق خروجهما أن مأمور القسم حضر في منتصف الليل لحرصه أن يكون في شرف استقبال زياد صاحب الخطوات الواثقة.

***

بكت جدران المنزل في عناق مصطفى لوالدته؛ كانت المرأة في حالة من عدم التصديق والحزن لمجيء وقت الرحيل ممتزجة بسعادتها للدنيا التي فتحت أبواب الاهتمام أخيرا لابنها قليل الحظ. لم تناقشه كثيرا في فرصة العمل الأوروبية التي أخبرها بها كما لقنه زياد، ولو أن سفره لأخيه كان أأمن وأضمن لكن إصراره وطمأنته لها وتصويره لكبر حجم الفرصة الأوروبية أغلقا أبواب قلق الأم ونقاشها معه ؛ كان مصطفى متأكدا أن ما هو مقبل عليه صعب بمقدار ما قُدّم له ؛ فالبراءة من جريمة قتل أحكمت براثنها حوله لن تكون ثمناً لأي وظيفة عادية حتى لو كانت مدى الحياة ؛ ربما سيستخدم في أعمال غير شرعية ؛ مخدرات أو سلاح أو تجارة آثار؛ لكنه الآن لا يمكنه حتى التفكير في التراجع بعدما قبل الصفقة ..الخلاص الفوري من شبح حبل المشنقة أو السجن المؤبد مقابل عمره ؛ ومن الواضح أنها صفقة لا رجوع فيها ؛ انشطر عقله ما بين لحظة وداعه لأمه وتساؤلاته التي لا يجد لها إجابة. وفي النهاية دوى رنين هاتفه المحمول وكانت سيارة سوداء داكنة الزجاج تنتظره أمام بيت منزله في الموعد المحدد تماماً. كان السائق يرتدي حُلّة رسمية كسائقي الأثرياء ويجلس بجواره رجل ضخم يرتدي بدلة فاخرة ونظارة سوداء. انطلقت السيارة حاملة مصطفى الجالس وسط عاصفة من التساؤلات والمخاوف، وقدم الرجل الضخم لمصطفى علبة عصير وأصر أن يشربها فوراً بابتسامة حازمة ؛ وبعدما ارتشف مصطفى أول رشفة .. بدأت الرؤية تتلاشى في عينيه حتى حل الظلام وفقد وعيه.

***

كان يعرف أنه يحلم و بالرغم من هذا ظلّ خائفاً طوال الحلم؛ كان يسقط من ارتفاع شاهق ويصرخ وما من مجيب؛ لكن الأرض كانت تأبى ان تنهى معاناته بالاصطدام فيها ولم تظهر أبدا طوال حلمه الطويل الذي انتهى حينما أصبح داخل حجرة مكيفة الهواء وبراقة الإضاءة خالية من الأثاث سوى من عدة كراسي مكتبية وهو يتصبب عرقا من توتره أثناء الحلم وقبل أن تتبين عيناه ما حوله جيدا فاجأه صوت أنثوي يقول له بحنو (حلم؟) يفتح عينيه المثقلتين بصعوبة ليرى وجه “ربوة” الجميل يبتسم له ؛ كان وجها غير متوقع أبداً ؛ فتاة في قمة الجمال والرقة لا تتجاوز الخامسة والعشرين من العمر ترتدي زي الأطباء الأبيض وعلى رأسها حجاب أنيق يزيد وجهها إشراقاً.

 (كابوس) قالها مصطفى ثم حزن لكونها كانت أول الكلمات التي ينطقها أمام هذه الفاتنة؛ ابتسمت ربوة وهى تتفحص عينيه وتتأكد من إفاقته الكاملة ثم قالت وهى تتجه نحو باب الحجرة (كم أتمنى أن أسمع إجابة مختلفة من أي شخص يأتون به إلى هنا) ثم وقفت عند باب الحجرة واستدارت محدثة إياه (أظنك تستطيع الوقوف على قدميك .. هيا لأعرفك بالمكان).

على عكس كل توقعات مصطفى تماما كان المكان أشبه ما يكون بمنتجع سياحي ترفيهي يتوسطه مبنى فخم من خمس طوابق تحيطه حدائق واسعة وبه حمام سباحة كبير مغطى بقبة زجاجية ويحيطه سور أنيق تتوسطه بوابة واسعة مفتوحة على مصراعيها ؛  المساحات الخضراء تحيط السور والمبنى من كل اتجاه لتجعل من الصعب أن تتبين أنك في النهاية وسط الصحراء. على بعد أمتار قليلة في مواجهة البوابة يقبع مبنى آخر به كافتيريا فخمة وضخمة تشغل الدور السفلي بكامله ؛ أما الأدوار العليا فبها جميع أنواع الترفية من البولينج والبلياردو مرورا بصالة الجيم والساونا وحتى قاعة عرض سينمائية كبيرة. وخلف هذا المبنى الترفيهي تقبع ملاعب كرة قدم وكرة سلة وكرة طائرة وملعبي تنس؛ و كان المثير للدهشة أكثر من كل هذا هو الرقي والملابس الأنيقة والابتسامات التي تطل على وجوه كل الموجودين بالمكان والذين كان أغلبهم من الذكور مع عدد قليل من النساء (أين نحن بالظبط؟) قالها مصطفى لربوة وهو لا يستطيع أن يخفي الدهشة والبريق المشعين من عينه وملامحه؛ نظرت له وهى تبتسم ثم قالت (في الكابوس) ضحك مصطفى لأول مرة منذ فترة طويلة وعقّب (لا تكوني سوداء القلب) رمقته ربوة بنظرة لطيفة؛ كانا وصلا إلى باب العيادة ففتحته ببطاقة إلكترونية ودخلت ليتبعها ويفاجأ بفخامة مكتبها وتطور أجهزة الكشف الطبية الموجودة فيها فيقول (أما زلنا في مصر؟) تنظر له ربوة باستغراب وهى تجلس خلف مكتبها وتضغط على زر الاستدعاء (سوف نجري لك بعض الفحوصات والتحاليل لكي نطمئن على صحتك ؛ وبصراحة لكي لا تصيب أحدا هنا بأي عدوى). يقطب مصطفى حاجبيه وهو يقرب وجهه منها ويقول بطرافة (ألهذه الدرجة يظهر عليّ أني قادم من منطقة متدنية .. للعلم .. أنا من العباسية). تبتسم ربوة بظرف ثم تواصل حديثها بنفس أسلوبه الطريف (وهل صرحوا لك بالخروج .. أم سنحتاج لكشف نفسي أيضاً؟). يقاطعهم دخول الممرضة من باب العيادة لتصطحب مصطفى لإجراء التحاليل والفحوصات التي تمت بمعامل متطورة جدا وبأسلوب راق في التعامل من الجميع. وجد مصطفى نفسه أخيرا في مطعم المكان الفخم والجميع يصطف في طابور يسير بلا بطيء ليأخذ كلّ ما يلزمه من البوفيه المفتوح ؛ لا تكدس .. لا جشع في ملء الأطباق .. منتهى الرقي من الجميع ومنتهى الدهشة في نفس مصطفى؛ لم يكن في الكابوس؛ كان المكان أروع الأحلام.

بعد انتهاء العشاء الذي كان لذيذا جدا ومن أشهى المأكولات ومصحوبا بالحلوى والفاكهة كأفراح أفخم الفنادق؛ اقترب أحد رجال الأمن من مصطفى وناوله علبة سجائر مستوردة وقداحة ومفتاحا إلكترونيا مكتوب عليه رقم حجرة وأخبر مصطفى أن يتبع الإرشادات الموجودة على الحوائط للوصول إلى غرفته الموجودة في الطابق الخامس ؛ استقل مصطفى المصعد وفوجيء بترقيم لوحة الأزرار الذي يحتوى على خمسة أزرار من رقم واحد إلى رقم خمسة وعشرة أزرار من سالب واحد إلى سالب عشرة (عشر طوابق تحت الأرض!!) قالها مصطفى مبهورا بما يحدث ولكن كل ما رآي لم يكن شيئاً بالمقارنة بانبهاره عندما فتح باب غرفته ؛ كان جناحاً فندقياً فاخرا تتوسطه عدد من شاشات وأجهزة الحاسب الآلي المتطورة جدا وبه سرير كبير وأغطية وثيرة وثلاجة مليئة بالمشروبات الغازية والحلوى والفواكة وتلفاز وهاتف ومطبخ أمريكي الطراز مجهز بكل ما يخطر على البال لتحضير المشروبات والمأكولات ودورة مياه واسعة بها أفخم الماركات من كل شيء ؛ فتح دولاب الملابس فوجد ملابسه قد رتبت فيه وشنطته الفارغة مغلقة وموضوعة بنظام في أسفل الدولاب الذي امتلأ بالمعطرات وزجاجات العطر الفاخرة التي ملأت رئتيه بعبيرها وملامحه بالسعادة ؛ ارتمى مصطفى على السرير بارتياح بالغ وهو غير مصدق لما يحدث له وما يعيش فيه؛ نسى حتى مخاوفه من طبيعة عمله مع صاحب الخطوات الواثقة؛ أغمض مصطفى عينيه ليغرق في النوم بسهولة وسرعة بلا أي مبالاة لما سيحدث بعد ذلك؛ في هذه الليلة كان حلمه ورديا؛ سحبا تحمله وتطوف به في السماء.

#مقطع 4

ظل رئيس المباحث محدقا في وجه الأمين سيوفي وهو يخبره بإخلاء سبيل مصطفى من سراى النيابة. و عند استفسار رئيس المباحث عن سبب ترحيله في سيارة ترحيلات بدلاً من وسائل المواصلات أجابه سيوفي بجملة (أوامر المأمور). أشار رئيس المباحث لسيوفي بالجلوس ثم حاول استجوابه بأسلوب وديّ بعدما أمر بإحضار كوبين من الشاي لهما (وما سرّ اهتمام المأمور بأمر كهذا؟) يحاول سيوفي مقاومة رغبته في الحديث عن الموضوع فتعليمات المأمور مشددة بألا يخبر أي شخص عن زيارة صاحب الخطوات الواثقة للقسم أو المحمول الذي أهدى لسيوفي وأجرى منه مكالمة الإبلاغ برد مصطفى الغريب عن السؤال الأغرب والمكالمة التي استقبلها عليه مصطفى في سراى النيابة وجعلته يتسمر في مكانه كالتمثال؛ هنا يلمح رئيس المباحث المحمول في جرابٍ معلّقٍ بحزام سيوفي  فتتغير ملامح وجهه ليس فقط لأن المحمول كان رفاهية مكلفة في ذاك الوقت بل لأن نوع الجهاز كان مرتفع الثمن؛ لاحظ سيوفي نظرة رئيس المباحث فقال بسرعة (لقد أهدتني إياه زوجتي بعدما ورثت أبيها) نظر رئيس المباحث للأمين سيوفي نظرة تفحص وفكر قليلا ثم هز رأسه و هو يقول (أباها الذي توفى منذ عام!!) يسيل العرق على جبين سيوفي وهو يجيب (لقد أخذت إجراءات الميراث فترة .. فقد كانت قطعة أرض استغرقت وقتا لتباع و ..) يقاطعه رئيس المباحث بضربة من قبضته على المكتب و نظرة نارية وهو يقول (أمين سيوفي) فيخرّ سيوفي بكل ما حدث من مجيء صاحب الخطوات الواثقة للقسم واستقبال المأمور له بنفسه حتى رحيل مصطفى من سراى النيابة؛ صرف رئيس المباحث سيوفي من أمامه بإشارة من يده؛ وظل يحاول إيجاد تفسير لما حدث لكنه فشل فأشعل لفافة تبغ وقرر أن يحاول معرفة سبب ما حدث؛ لكن هاتفاً في عقله كان يخبره أنه لن يستطيع وأن الأمر أكبر منه بكثير.

***

انبعث صوت موسيقى هادئة في حجرة مصطفى الفاخرة؛ فتح عينيه باحثا عن مصدر الصوت فوجد الهاتف مضاء بلون أزرق مشع فعلم أنها رنة الهاتف؛ ابتسم ثم التقط السماعة فأخبره صوت أنثوي أن السيد زياد ينتظره في مكتبه في الطابق الثالث تحت مستوى الأرض بعدما ينهي إفطاره. نظر مصطفى في ساعته فاكتشف أنه نام لأكثر من اثنى عشر ساعة؛ في المطعم شبه الخالي ومصطفى يتناول إفطاره؛ استوقف أحد العاملين مستفسرا عن سبب خلو المطعم فأخبره أن ساعات الإفطار من السادسة صباحا وحتى الثانية ظهرا ولكون الساعة قاربت على الثانية ظهرا فالجميع كان تناول الإفطار بالفعل. تعجب مصطفى من طول فترة الإفطار فأخبره العامل أن المطعم مفتوح طوال ساعات اليوم بسبب حرية الجميع في اختيار ساعات العمل وأن كل ثمان ساعات في اليوم مخصصة لتقديم وجبة مختلفة؛ فمن الثانية للعاشرة مساء يقدم طعام الغداء ومن العاشرة مساء للسادسة صباحا يقدم طعام العشاء وهكذا.

أعجب مصطفى بفكرة الحرية واتساع وقت تقديم الطعام وظل يفكر فيها في طريقه للمصعد لكن فكرة أخرى اقتحمت عقله وسيطرت عليه فور أن بدأ المصعد الهبوط في اتجاه الطابق الثالث تحت مستوى الأرض حيث مكتب زياد صاحب الخطوات الواثقة؛ ماذا سيقدم لهم مقابل نجاته من حبل المشنقة وكل هذه الرفاهية.

كان مكتب زياد فاخرا وواسعا بشكل ملفت للنظر؛ به العديد من الأجهزة الحديثة والتي لم ير مصطفى مثلها من قبل؛ استقبله زياد بابتسامة وترحاب هادئين ووجهه للجلوس في صالون مذهب فاخر من أحد الصالونات الموجودة في أركان المكتب؛ نظر زياد للحظة في ملامح مصطفى التي تتصارع فيها العديد من التساؤلات ثم أوقف صراعات تساؤلاته وقال (أظن أن المكان أعجبك) ابتسم مصطفى وقال (ومن يجروء ألا يعجب بمثل هذا المكان .. أخبرني أنحن قطاع عام أم قطاع خاص .. وما هذا المكان .. أهو مؤسسة أم شركة أم) يقاطعه زياد بحزم وهدوء قائلا (هذا المكان اسمه المكان .. ولا يطلق عليه أي مسمى سوى هذا .. ونحن لسنا قطاعا عاما ولا خاصا .. نحن لسنا موجودين أصلا) تتسع حدقتا مصطفى من إجابة زياد الذي يكمل حديثه (مهمتنا متابعة أوضاع البلد .. عن طريق مراقبة بعض الأشخاص فيها .. ولهذا فنحن لا وجود لنا في أي سجلات) يحمرّ وجه مصطفى وهو يقول بفزع (أتعني أنكم شبكة تجسس؟!) يصمت زياد وعيناه تتلاقيان بحزم مع عيني مصطفى فيدخل عامل البوفيه حاملاً صينية عليها كوبا عصير وزجاجة مياة معدنية وطبق فاكهة ويضعها أمامهما وينصرف فيلتقط زياد قطعة فاكهة باطراف أصابعه ويقول وهو يأكلها (بالطبع لا .. نحن بشكل أو بآخر نعمل مع النظام .. فبعض أعمدته هم الذين أنشأوا هذا المكان لحماية البلد). تظهر دوائر الحيرة على ملامح مصطفى حتى تتحول لدوامة ضخمة تبتلعه داخلها فيبتسم زياد ويقول بثقة (عُدْ إلى غرفتك .. سيجيئك من يعلمك بتفاصيل عملك و طريقته .. إذا أردت رؤيتي ثانية .. فقط اطلب من موظفة الاستقبال هاتفيا تحديد موعد لك).

عاد مصطفى من نفس طريق الذهاب لكنه كان يرى كل شيء مختلفاً؛ لم يعد داخل الحلم ولا حتى داخل الكابوس؛ إنه داخل متاهة عملاقة تتخطفه فيها ملايين التساؤلات؛ أتراه في مصر أم أن هذا المكان الذي لا يسمى سوى بالمكان خارج حدودها ؟ هل التجسس على حياة الناس يتم بهذه السهولة وهذا البرود وكأنه أمر حتميّ؟ وهل سيمارسه معهم مقابل حياته التي أنقذها زياد صاحب الخطوات الواثقة؟ أتراه أنقذ حياته فعلاً أم أنهم ورطوه في جريمة القتل لإرغامه على قبول عرضهم؟ هل يحاول الهروب أم أن هذا ضرب من ضروب الخيال؟ وصل حجرته التي أصبحت فجأة  كئيبة في عينيه و جلس مغطيا وجهه بكفيه.

لم يدر مصطفى كم مر من الوقت في جلوسه حتى تردد حوله صوت الطرقات على الباب؛ فوجيء بوجه عم فتحي البشوش كان رجلاً وديعا له ملامح طفولية برغم تجاوزه الخمسين من العمر؛ تفحص عم فتحي وجه مصطفى بنظرة خاطفة فابتسم وجلس أمام شاشات الحاسب وقام بتشغيل الأجهزة المتصلة بها ثم فاجأ مصطفى بقوله (إذن هل قررت الانتحار .. أم محاولة الهرب؟) قالها عم فتحي بهدوء وهو يتابع تشغيله للأجهزة ودون حتى أن ينظر لمصطفى) رد عليه مصطفى وهو يشعل لفافة تبغ (لا هذا ولا ذاك .. هذه القرارات تحتاج لشيء ينقصني بشدة) يتعجب فتحي من رد مصطفى ويسأله (وما هو الشيء الذي ينقصك بشدة؟) ينفث مصطفى دخان سيجارته وهو يقول (الإاردة .. يا .. لم نتعرف) يبتسم فتحي بود ويقول (اسمي هنا عم فتحي) يتعجب مصطفى قائلا (ألك اسم آخر بالخارج؟) يطأطأ فتحي رأسه ويقول (بالتأكيد .. ولكني لا أعرفه .. تلك قصة طويلة .. أنا مصاب بفقدان ذاكرة ولا أذكر أي شيء قبل مجيئي إلى هنا .. ولكني أعرف المكان جيدا .. إذا أردت الهرب فمن الأسهل لك أن تخبر الإدارة، ستقوم بإعادة إسمك إلى نفس الورطة التي أخرجوك منها .. ويتركون لك الخيار أتحتاج محاميا أم تحتاج مركبا تخرج به من البلد .. أما الانتحار فهو غباء فلا أحد هنا يجبرك على أي شيء. لا تتعجب فالجميع هنا لهم ظروف مشابهة لظروفك التي لم أعرفها بعد .. هم يختاروننا كذلك لكي يضمنوا الولاء والسرية الكاملين لعملهم.) تظهر الدهشة على ملامح مصطفى التي ملت انطباعات الدهشة منذ تعرف إلى زياد صاحب الخطوات الواثقة.

 أصبح عم فتحي صديقاً ومؤنساً لمصطفى في فترة تعليمه لطريقة عمله وحتى في الأيام التي تلت ذلك؛ كان لكل مراقب سبعة أشخاص يتابعهم ويقوم بإعداد تقرير يومي مختصر عن آرائهم في الموضوعات المختلفة التي تدور في الدولة وأهم الأحداث التي يتعرضون لها أو الأفكار التي تعجبهم، وكان ذلك غالبا ما يكون بإجابات بنعم أو لا وكتابة الملاحظات إن وجدت في بيان الحالة الذي يرسل لكل مراقب من الإدارة يوميا بشكل إلكتروني كامل، وأحياناً ما كانت الإدارة ترسل أسئلة مباشرة بخصوص شخصٍ مراقبٍ عن تحركاته وميوله وما إلى ذلك. كانت وسائل المراقبة متطورة جدا تسجل كل شيء عن طريق الهاتف وتفتح للمراقب نافذة على كل ما يفعله الشخص على الانترنت وعلى أجهزة الحاسب المتصلة به .. بل ويرى المراقب الشخص بالكاميرات المتصلة بالحواسب والمحمول إن وجدت بجوار الشخص ويكون المحمول جهاز تسجيل على مدار الأربعة وعشرين ساعة حتى وإن كان مغلقا طالما كانت شريحة الخط بداخله ؛ بل والأدهى من ذلك أن بصمة صوت الشخص تخبر المراقب بمكان الشخص إن اختفى عن طريق أي هاتف محمول قريب منه يلتقط بصمة صوته ويتمكن المراقب من استكمال مراقبته من خلاله دوره في التحليل والتلخيص لحياة الأشخاص والإبلاغ عن الشخص في حالة تورطه بنشاطات معينه كالمخدرات و السلاح والإتجار بالآثار والإرهاب والجماعات الدينية والجرائم الجنائية الكبيرة ؛ وتلك هى الحالة الوحيدة مع موت الشخص التي تنهي مراقبة المراقب له ؛ فحين يتورط الشخص بمثل هذه الأشياء تنقل مراقبته إلى قسم آخر بالمكان ؛ وحين يموت الشخص يقفل ملفه.

قام عم فتحي بتعليم مصطفى كلّ شيء وأصبح يستخدم جميع الأجهزة والبرامج بإتقان ولم يعد يتبقى له سوى الأشخاص الذين سيقوم بمراقبتهم طوال حياته أو حياتهم أيهم يموت أولاً. لقد أدرك مصطفى ان الرفاهية التي يغمسون جميع من في المكان فيها ما هى إلا لتخفيف وطأة الملل .. وتخدير الضمير (ستقوم بنفسك باختيار من تراقب من القائمة) قالها عم فتحي بحماس فتنهد مصطفى وقال (أخيراً شيء اختياري).

الأشخاص السبعة يكونون من سبع فئات مختلفة الأولى فئة المشاهير فنانون ورياضيون وشخصيات مجتمع؛ الثانية فئة الإعلام من صحفيين ومذيعيين ومعدي برامج وملاك صحف؛ الثالثة فئة المثقفين من أدباء وعلماء وأساتذة جامعات وناشرين؛ الرابعة فئة تتضمن المسئولين الحكوميين ورجال الأعمال الموالين للنظام؛ الخامسة فئة السياسيين المعارضين والنشطاء في مجال السياسة؛ السادسة فئة العاملين بالقانون من الضباط والمحامين والنقابيين؛ أما السابعة فهى فئة المهمشين ويتابع فيها شخص عادي قد يكون من طبقة فقيرة ولكن لدية جهاز محمول أو هاتف أو دخول منتظم لشبكة الانترنت لمعرفة كيف يفكر وما الأشياء الأساسية بالنسبة له وما قدر الضغوط المادية التي يمكن أن يتحملها. 

***

أنهى الأمين سيوفي حديثه المرتعش مع مأمور القسم وأدّى التحية العسكرية في خوف وانصرف من أمامه بعد أن منحته نظرة المأمور أمرا بالانصراف. لقد أراح سيوفي نفسه من وطأة التفكير في ما يمكن أن يفعله به المأمور إن علم من سواه أنه أخبر رئيس المباحث بما حدث مع مصطفى؛ ظل المأمور محدقا في سقف مكتبه للحظات ثم رفع سماعة الهاتف وأجرى اتصالا مقتضبا كان فيه في نفس حالة سيوفي يريح نفسه من وطأة أن يعرف زياد مِن سواه أن رئيس المباحث علم بالأمر. المشكلة ليست السرية فقط المشكلة الحقيقية في شخصية رئيس المباحث؛ إنه شخص نزيه ولديه صوت ضمير يجعله لا يترك الأشياء تمر بلا تحقيق دقيق؛ ولذا أراح المأمور نفسه وألقى الكرة عند أقدام زياد صاحب الخطوات الواثقة.

 

#مقطع_5

تَعرّف مصطفى أثناء تناوله لطعام الغداء مع عم فتحي بالمطعم إلى اثنين من المراقبين ؛ كان فتحي محبوباً لدى الجميع وفور أن لمحاه سارعا إلى الجلوس معه ؛ أولهما صهيب صاحب الحظ العاثر كمصطفى؛ لكنه كان مذنباً باستجابته لضغوط الحاجة المادية بعد فشله حتى في بلاد الغربة ؛ وكان لقائه بصاحب الخطوات الواثقة في حجز المطار بعد إلقاء القبض على صهيب ومعه كيلو من مخدر الهيروين. كان قرار صهيب بالموافقة على صفقة زياد فوريًّا وشعوره بالجرم من مراقبة الناس أقل بكثير من مصطفى ؛ ربما بسبب حنقه على المجتمع ككل وعلى نفسه أيضاً. ثانِ المراقبين كان أمجد، وعلى عكس مصطفى وصهيب تماماً هو من أبناء الطبقة الراقية ؛ لكن جشع عمه رجل الأعمال الكبير للاستيلاء على نصيبه من ميراث والد أمجد – أخوه الراحل – الذي يعادل نصف ثروة رجل الأعمال أو أكثر جعله يزج به في أحد المصحات؛ بعدما اكتشف أمجد فساد عمه وسرقاته لمال والده؛ تعالت صرخات أمجد وصدم رأسه في كل جدران المصحة وحاول الهرب أكثر من مرة ؛ فقرر العم انهاء حياته فاختار زياد اخفاءه في المكان وإدراجه في المراقبين بسبب صداقتهما القديمة عند علمه بترتيب عمه لاغتياله عن طريق أحد القتلة المحترفين المراقبين ؛ قد كان العم محميا بقوة من النظام الحاكم ولا يمكن المساس به ؛ هونت قصتا صهيب وأمجد على مصطفى؛ ذكرته بموقف يوسف عليه السلام وصاحبيه في السجن؛ مع الفارق أنه لم يكن نبيّا ولا متعففاً كالصديق يوسف؛ وهما لم يكونا من خدم الفرعون ؛ لكن مصطفى شعر أن الفرعون كان على حاله المحرك الرئيسي لكل الأحداث .

ظل مصطفى يقلب النظر طويلا في الوجوه التي تراصت أمامه على شاشة الحواسب ؛ كانت صور الأشخاص المرشحون للمراقبة متراصة في صفوف ؛  كان أمامه سبع صفوف ليختار وجها واحدا من كل صف بالتعليم على خانة الاختيار تحت الصورة ؛ تعجب عم فتحي من حيرة مصطفى التي طالت وحاول الترفيه عنه أو مساعدته دون جدوى ؛ مر يوم كامل آخر فتلقى مصطفى اتصال يطلب منه التوجه لمكتب زياد الذي كان حانقا عليه هذه المرة (أنت لست في رحلة سياحية .. نحن في عمل مهم وحيوي ومطالبون بنتائج دقيقة .. إن كانت الوظيفة لا تعجبك يمكنك العمل في النظافة أو الأمن .. ولكن اعلم أن غرفهم جماعية ومعظمهم بلا مؤهلات كي لا تشتكي من عدم التأقلم معهم). يحس مصطفى بالقلق من فقدان الرفاهية التي هو فيها ففي الحالتين هو يساعد على سحق خصوصية الناس سواء بشكل مباشر أو غير مباشر فينكس رأسه قائلاً (بماذا تأمر سيد زياد؟) يفتح زياد ملف عمل مصطفى على الشاشة أمامه فتظهر الوجوه مرة أخرى عليها ويقول زياد بحزم (قم باختياراتك) ولكن ما يثير انتباه مصطفى هو وجه جديد ظهر في صف العاملين بالقانون إنه وجه رئيس المباحث ؛ يتجه مصطفى للشاشة ويمسك بالفأرة ويحدد اختياره الأول برئيس المباحث فيحمرّ وجه زياد ويقول (لماذا هذا الرجل بالذات؟) ينظر مصطفى لزياد بتصنع للمسكنة (أعرفه .. أهنالك مشكلة في ذلك؟) يمطّ زياد شفتيه ويكتم حنقه وهو يقول (لا مشكلة .. ولكن يجب أن تعلم .. كل شخص يراقبه أكثر من مراقب .. لكي نضمن دقة التقارير .. وممنوع نهائيا أن تتحدث مع أي مراقب بالمكان حول الأشخاص الذين تقوم بمراقبتهم) يوميء مصطفى برأسه بعلامة الانصياع والموافقة على مضض حاول عدم إظهاره لزياد ثم يكمل اختيار باقي الأشخاص السبعة بسرعة ودون اعتناء ويطأطأ برأسه علامة الانتهاء من المهمة لزياد الذي يشير له بالانصراف دون كلام ؛ بعد انصراف مصطفى فكر زياد قليلا ثم اتصل بالمشرف على اقتراحات المراقبة ووبخه لظهور ترشيح رئيس المباحث أمام مصطفى لكن المشرف برر موقفه أنه ليس من دائرة علاقات مصطفى نهائيا ؛ فقبل ترشيح شخص لمراقب يراعى أن يكونا من حيين سكنيين متباعدين ومجالين مختلفين في العمل والدراسة ويبحث في تاريخ الاتصال التليفونية للشخص ولمراقب كضمان إضافي ولو اتضح أن بينهم أي اتصال لا يرشح الشخص للمراقب ؛ طبعاً علاقة رئيس المباحث بمصطفى لم يكن فيها أي اتصالات وكان رئيس المباحث يقطن في حي آخر وعمل ودرس مجال آخر؛ لكنه يعمل رئيساً للمباحث في حيّ مصطفى ؛ هنا اكتشف زياد ثغرة في نظام كشف دائرة العلاقات وطالب المشرف أن يضيف السجل الجنائي للمراقب والشخص في البحث ؛ فالعلاقات عن طريق السجون و الأقسام تكون قوية وقد لا يجري أصحابها اتصالات ببعضهم ؛ كما أنها تجمع أناساً من أحياء مختلفة. أغلق زياد الهاتف مع المشرف وهو حانق على إغفاله لنقطة كهذه .. فمن المفروض أن يوجّه هو المشرف ألا يعرض رئيس المباحث على مصطفى لمعرفته بعلاقتهما (كيف فاتني هذا؟) قالها لنفسه وهو يفكر في تبعات مراقبة مصطفى لرئيس المباحث ؛ شعر بالقلق لكن وجود شخص آخر يراقب رئيس المباحث في المكان أشعره بالاطمئنان ؛ ففي النهاية ما الذي من الممكن أن يحدث .. وإن حدث شيء ، سيعرفه زياد .. صاحب الخطوات الواثقة.

***

بالفعل لم يحدث شيء فرئيس المباحث صدم بعد علمه من المخبر أن مصطفى سافر إلى دولة أوروبية في نفس يوم إخلاء سبيله من سراى النيابة ؛ وبالرغم من زيادة شكوك رئيس المباحث وبحثه بنفسه إلا إنه وصل في نهاية بحثه لطريق مسدود فقد غادر مصطفى البلد وحتى أمه المندهشة والقلقة من سؤال المباحث عنه لم يكن لديها أي وسيلة للاتصال بمصطفى وما كان أمام رئيس المباحث إلا أن يطمئنها ويترك رقم هاتفه لها ليطلبه مصطفى حين يستطيع. وبرر سؤاله عنه بأنه موضوع يخص أحد معارفه ولا يخصه وليس أصلا بالموضوع الخطير؛ لكن قلق الأم كان غرس في قلبها بعد أن بدأ عقلها يربط بين سفر ابنها المفاجيء وسؤال المباحث عنه.

***

الفضول حمل مصطفى وأجلسه على مقعده أمام شاشات الحواسب المتراصة داخل حجرته كان متشوقا ليتعرف على من اختارهم كان يعرف رئيس المباحث بشكل طفيف لكنه كان يدرك جيداً كم هو إنسان وكم تعاطف معه وصدقه من خلال موقفه معه في قسم الشرطة وبعد مطالعة سريعه لملفه علم أنه متزوج ولديه طفلان أكبرهما في سن المراهقة ؛ لكن الصدمة كانت كبيرة عندما علم أول من وقع اختياره العشوائي عليه في فئة المشاهير  كانت الراقصة ” دوللي ” ؛ فتح مصطفى فمه مندهشاً للحظات لم يكن يعرف أهذا من حظه الجيد أم السيء ؛ في الحقيقة لقد كانت مشاعره مقسمةً بالتساوي بين الاستياء والسعادة ؛ أما فئة الإعلام فقد كان من حظه المذيع اللامع ” شهاب درويش ”  وهو محاور شهير ويعمل بكبرى القنوات الفضائية والمفارقة أن والدة مصطفى كانت من متابعي برنامجه الشهير في حين كان مصطفى كمعظم أبناء جيله مهتما بثورة الانترنت ؛ كانت ” فريدة الحطّاب ” الكاتبة وصاحبة أحد دور النشر هى حظ مصطفى في فئة المثقفين ؛ في حين وجد مصطفى أمامه وجه رجل الأعمال ” قاسم نخيلي ” في فئة مؤيدي النظام فتعجب كثيراً لكونه كان ممولاً لأحد أحزاب المعارضة ؛ واصطدم مصطفى بوجه ” ندى ” الشابة الجميلة ابنة أحد الأحياء الشعبية التي تقترب من نهاية العشرينات من العمر في فئة المعارضين وعلم أنها من النشطاء السياسيين؛ أما فئة المهمشيين فحل فيها ” حمدي ” وهو شاب في منتصف الثلاثينات يعمل سائق تاكسي رغم كونه خريج كلية التجارة جامعة عين شمس؛ تنهد مصطفى بعد تعرفه على الوجوه التي ستظل معه ربما لنهاية حياته؛ حزن مصطفى لاختراق خصوصيات هؤلاء الأشخاص بهذا الشكل الجائر لكنه بدأ المراقبة ربما خضوعاً لضغط تهديدات زياد بنقله إلى عمال النظافة أو الأمن و فقدانه لما لديه من رفاهية أو لمعرفته أن قبوله أو رفضه لن يغيرا شيئاً من كون هؤلاء الأشخاص سيخضعون للمراقبة عن طريقه أو عن طريق سواه ؛ و ربما بدافع آخر .. الفضول.

حاول مصطفى أن يغير جو الحجرة ويهرب من جدرانها ومن بقايا صدى صوت تأنيب ضميره التي تتردد بينها فشارك صهيب  وأمجد في مباراة كرة قدم أخبروه عنها أثناء تناولهم لطعام العشاء ؛ كانت أعين ربوة متعلقة بمصطفى من مكان جلوسها بالكافتيريا البعيدة عن الملعب لكنّ ذلك لم يمنع مصطفى من ملاحظتها وتبادل نظرة سريعة معها لخصت الإعجاب المتبادل بينهم ؛ وشجعته أن يصطنع العطش عذرا لدخول الكافتريا بعد المباراة ويتجاذب أطراف الحديث مع ربوة ؛ علم منها أنها من أحد المحافظات وعيّنت بعد التخرج في المؤسسة التي كانت معروفة لها بإسم جهاز له طبيعة سرية وحساسة ولم يكن مسموحاً لها بسؤال أحد أو التحدث مع أحد عن طبيعة عمله به ؛ تعجب مصطفى من كون الكافتيريا لم تكن مزدحمة رغم كون كلّ شيء مجاني فأجابته ربوة بإجابة لم يفهمها (الجميع مشغول بعمله) لم يكن يدرك مصطفى دافع الجميع في العمل بإخلاص في هذا المكان الذي يبنى على انعدام الضمير في الأساس .. وما المقابل الذي يعود على المرء من اجتهاده؟ ؛ امتدّ حوار مصطفى وربوة لبضع دقائق كان صوتها وابتسامة عينيها كفيلين بجعل أي حوار جميلاً وتَأكّد لمصطفى في نهاية لقائه بربوة أن مشاعر الإعجاب متبادلة بينهما ؛ لكن صهيب وأمجد حذراه من الانجراف نحو أي مشاعر تجاهها ؛ لكونها موظفة في المكان ووضعها مختلف تماماً (لا تُصبْ قلبك بخيبة الأمل .. جميع الموظفين والمراقبين ممنوعون تماما من أي علاقات أكثر من الزمالة) قالها صهيب وهو يسير مع أمجد ومصطفى نحو باب المصعد فرد عليه  مصطفى متعجباً (وما سيفعلون بنا أكثر مما نحن فيه؟!) يبدأ أمجد في القهقهة فيشاركه صهيب فيحتار مصطفى ويحاول الاستفسار عن سبب ضحكهم دون طائل.

بدأ مصطفى بالتعرف على عالم الراقصة دوللي التي كانت تعتبر رمزاً للأنوثة عند الكثيرين؛لم تكن الأعوام تظهر عليها لقد تعدت الأربعين عاما لكنها ما زالت تتمتع بوجه امرأة في الثلاثين ؛ لم تكن تنحدر من أسرة فقيرة ولا منطقة عشوائية كأغلب راقصات العصر؛ كانت من الطبقة المتوسطة وكان والدها يعمل بأحد المؤسسات الحكومية ؛ لكنه توفى شابا تاركاً أربعة بنات وولد في عهدة زوجته قليلة الحيلة أمام متطلبات الحياة المتنامية ؛ كانت الصدمة قاسية على الأم في فترة مرض طالت عليها عندما وجدت ابنتها تصارحها بأنها ستمارس الرقص الشرقي وأنها وقعت عقداً مع أحد الملاهي الليلية ؛ لم يكن لدى أمها القدرة على منعها لكنها قاطعتها منذ ذلك اليوم ؛ وأصبح مقاطعتها هو شرط رضاها على جميع إخوتها ورفضت حتى تلقي أي مساعدة منها لأعوام طويلة ؛ ورغم أن دوللي كان من أهدافها مساعدة أمها وأخوتها إلا أن حبها للشهرة وبريق الأضواء والمال كانوا من أسباب اتجاهها للرقص فانغمست في عالمها الجديد ؛ قاطعها الجميع سوى شقيقتها الصغرى نيرمين والتي كانت تزورها سراً ؛ كانت حياتها باردة وكانت رغم انشغالها والتفاف العديدين حولها وحيدة ؛ فجميع زيجاتها المعلنة والسرية بائت بالفشل ؛ وكانت تفاضل بين اثنين تقدموا للزواج بها الأول صاحب ملهى ليلي كبير والثاني رجل أعمال ثري ؛ والذي أدهش مصطفى في شخصيتها كونها كانت تحاول الحفاظ على ما تبقى لها من شرف بعد تعرية جسدها والرقص بالزواج وعدم الانغماس في علاقات آثمة.

لكنّ المذيع شهاب درويش كان منجماً للتعجب اكتشفه مصطفى فالتناقضات كانت كبيرة في شخصية المذيع اللامع ؛ فرغم كونه خريج أحد الجامعات الأجنبية كان سطحياً وتافها ًوكل اهتماماته الحقيقية بالمظاهر ورغم كونه متحدثاً وخطيباً راقياً أمام الكاميرات كان خلفها سوقياً وبذيئاً ورغم كونه يدعو للأخلاق الحميدة على الشاشة  كان زير نساء وعاشق للخمور والملذات بعيداً عنها وصل لأواخر الثلاثينات دون زواج رغم ثرائه النسبي ورغم كونه ينحدر من أسرة ثرية كان وصوليّاً وطماعاً لأقصى الدرجات ؛ كان يعمل في قناة فضائية كبيرة وله برنامج حواري ناجح لكنه كان يطمح في المزيد؛ كان قلبه معلق بقناة كبرى ذات تمويل أكثر سخاء بكثير؛ وكان على وشك إجراء مقابلة رتّبها له مخرج برنامجه مع أحد مدرائها التنفيذيين للتحدث بشأن امكانية انتقاله.

أما الناشرة فريدة الحطّاب فقد كانت حياتها أهدأ بكثير من حياة دوللي الراقصة والمذيع شهاب ؛ كانت في نهاية الأربعينات من العمر وهوايتها المفضلة القراءة وكانت تستغرق ساعات طويلة يومياً فيها؛ ربما كان حبها للقراءة دافعاً لإنشاء دار النشر التي لا تدر ربحاً يضاهي مجهودها فيها منذ سنوات واستمرت في نشر الأعمال الأدبية والثقافية ؛ كانت فريدة متزوجة من ” مجدي حسين ” الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق وكان لديهما ثلاثة أبناء أكبرهما “شريف” الذي كان على مشارف عامه السادس عشر؛ أما الأوسط فكان “نجيب” ذو العشر سنوات والذي سمى تيمناً بالروائي الكبير “نجيب محفوظ”  وكانت ابنتهما الصغرى “سلمى” ما زالت في السابعة من العمر؛ كانت أسرتها راقية إلى حد كبير وكان التفاهم بينها و بين زوجها بلا حدود ولم يكن صوتها يعلو وتتوتر أعصابها إلا عند محادثتها للعاملين بدار النشر لكونها تراهم مقصرين في عملهم بشكل دائم ؛ لكنّ مياه حياتها الراكدة بدأت في الاضطراب أخيراً عندما ألقى زوجها حجراً ضخما فيها قائلاً (أنا مرشح لتولي منصب وزير).

حياة رجل الأعمال قاسم نخيلي كانت تصيب مصطفى بالصداع فمكالماته الهاتفية لم تكن تنتهي؛ واجتماعاته كانت متلاحقه و كيف لا وهو يملك العديد من الشركات والمصانع في كافة المجالات تقريباً وبالعديد من الدول؛ كان نخيلي شخصية تثير التأمل؛ يفني وقته في عمله ويحاول قضاء الوقت مع زوجته وأبنائه؛ لكنه متزوج من سكرتيرته الجميلة “نهلة” عرفيًّا وفي سرية تامة؛ يدعم حزباً ليبرالياً معارضاً في العلن؛ و تابع مخلص للنظام الحاكم يشارك في تشكيل المعارضة الديكورية بذلك الحزب ؛لم تكن لديه مشكلات سوى المشاكل الطبيعية في تسيير أعماله الضخمة والتي لم تكن بالهينة لكنّ رغبة أحد أبناء الوزراء في إنشاء شركة ضخمة تنافسه في مجال يحتكره ضخمت حجم مشاكله فجأة.

لم يكن مصطفى يدرك الدافع من مراقبة شابة مثل ندى؛ فرغم كونها تشارك في الحراك السياسي بذلك الحزب الاشتراكي إلا أن الحزب كان هزيلاً والحراك السياسي نفسه بلا معنى؛ ندى من أحد أحياء القاهرة الشعبية ومثلها مثل آلاف الشباب المشاركين في الحركة السياسية ؛ ربما كان حماسها زائدا وذكاءها متقدا ربما كانت ملامحها جميلة لكن مراقبتها كانت دون جدوى في نظر مصطفى فلا جديد يقال طوال الوقت نفس الشعارات ونفس العبارات؛ كانت علاقة الحب التي تجمعها بزميلها “وليد” أحد أعضاء الحزب تسرّي عن مصطفى في بعض الأوقات وتشعره بالحزن على حاله في البعض الآخر ؛ كان مصطفى يشعر أن دافع ندى وراء الانضمام للحزب كان تمضية الوقت والتعرف على أحد أبناء الحلال؛ لكن المفاجأة التي لم يتوقعها مصطفى هو العرض الذي طرحه رئيس الحزب عليها بالسفر لتلقي أحد الدورات التدريبية في الخارج ؛ كان العرض مغرياً وغير قابل للرفض خصوصا لكونها بعد وفاة والديها أصبحت عبئاً على خالتها وسيدر السفر عليها مبلغاً يمكّنها من الاستقلال بحياتها وهو الأمر الذي كان يعدّ حلماً لشابة في مثل ظروفها الاجتماعية والاقتصادية.

خفّة ظل حمدي سائق التاكسي كانت تجعل مصطفى شغوفاً بالاستماع إلى حواراته ؛ لم يكن هناك ما يراقب كان نسخة من ظروف مصطفى وظروف ملايين الشباب؛ حاصل على مؤهل عالي لم يجد عملاً مناسباً .. لديه ما يمنعه من السفر .. فارتضى بأي عملٍ متاح ؛ بالنسبة لحمدي كان المانع مرض والده الذي ترك له ولأمه ستة أشقاء أصغر منه في مراحل عمرية مختلفة فتحمل حمدي دور الأب في المنزل وفي الإنفاق بل وزادت عليه تكاليف علاج الأب الذي كان مصاباً بالفشل الكلوي .. لكنها للانصاف كانت مدعمة وتجرى في أحد المستشفيات الحكومية ولا تستلزم مالاً .. كانت تستهلك نصف نهار لمرتين أسبوعيا في انتظار الدور ؛ كان الوقت بالنسبة لحمدي المقيد أمام عجلة القيادة هو كل ما يملك؛ لكنه حمد الله على مجانية العلاج ؛ كان الهاتف المحمول مكلفاً لحمدي فاشتراه بالتقسيط لكونه ضرورياً فهو بمثابة رب الأسرة وعمله الذي يسكنه الطرقات طوال اليوم يوجب إيجاد وسيلة اتصال دائمة به ؛ لم يكن يعرف أن هذا المحمول كان سبباً في وضعه تحت المراقبة تحت بند المهمشين.

أصاب الكدر مصطفى عندما علم من متابعته لرئيس المباحث بما جرى بينه وبين أم مصطفى من حديث ؛ لم يدر ماذا يفعل وهل سيكون اتصاله بالعالم الخارجي للاطمئنان على أمه و طمأنتها عليه متاحاً أم لا (ماذا أفعل يا عم فتحي؟) قالها مصطفى في نهاية حديثه عن ما يجول بخاطره ونفسه مع عم فتحي الذي ابتسم وطأطأ رأسه قائلاً (الأمر في يدك أنت) ظنه مصطفى يمزح لكن ملامح عم فتحي الجادة صَدّقت على جديته فوقف مصطفى بحماس وهو يتسائل ويرجو عم فتحي (كيف .. ماذا يمكنني أن أفعل؟ .. أخبرني .. بالله عليك) حاول عم فتحي تهدئة حماس مصطفى وأجلسه ثم قال (الاتصالات بالعالم الخارجي هى مكافأة لحسن العمل ؛ على قدر اجتهادك تحصل على ساعات اتصالات بالطبع تكون مراقبة ولها ضوابط للحفاظ على سرية عملك ولكنها وسيلة اتصال بأهلك وأصدقائك). هنا علم مصطفى سبب ضحكات أمجد و صهيب عندما سالهم ماذا من الممكن أن يفعلوا بهم أكثر مما هم فيه؟ .. وأدرك سبب إخلاص الجميع في عملهم لم يكن العقاب وسيلة الضغط على المراقبين للالتزام بقواعد العمل والإخلاص فيه؛ كان الثواب هو الوسيلة .. إعمل أكثر تحصل على ساعات اتصال بالعالم الخارجي أكثر (وعدد أيام الإجازات ومقدار مكافئتك السنوية تحدد بنفس الأسلوب) قالها عم فتحي ليفجر نبع الحماس في نفس مصطفى الذي علم أخيراً أنه سيتمكن من رؤية والدته مرة أخرى؛ سيخرج من هذا السجن و لو لعدة أيام سنويّاً .. -ياله من خبر جميل- هنا تغير كلّ شيء فمصطفى الذي كان يترك هامش الملاحظات خاليا دائما ويكتفي بالرد بنعم أو لا في التقرير اليومي أصبح من أكثر المراقبين دقة وامتلأت تقاريره بالملاحظات عن الجميع .. ملاحظات دقيقة تحلل شخصياتهم وآرائهم بعمق .. ولم يعد الهامش خالياً.

 

#مقطع 6

 

الفصل الثاني

جنة الجحيم

(أنت لم تسأل) قالها زياد الذي جلس خلف مكتبه يطالع ملفا على شاشة الحاسب لمصطفى الجالس أمامه بعد أن سأله عن سبب عدم إخباره بوجود أجازات سنوية واتصالات بالعالم الخارجي ففكر مصطفى قليلا وقال (ومتى كنتم ستخبرونني؟) يناوله زياد لفافة تبغ ويقول (الذين لا يسألون قليلون وغالباً ما نخبرهم بعد أول شهر من العمل فنحن نسمح بالاتصالات بالعالم الخارجي بعد أول شهر في العمل .. وأنت الآن مسموح لك بالاتصالات .. فتحي سيخبرك بالتفاصيل) يقف مصطفى استعداداً للخروج فيتذكر شيئاً فيسأل زياد (ماذا أقول لرئيس المباحث؟ يرد زياد بفتور (ما حدث) يتعجب مصطفى فينظر له زياد بحنق (أعني أنك سافرت إلى ألمانيا.. جواز سفرك عندما تعود ستكون عليه تأشيرات الخروج والدخول واسمك بالفعل على قوائم من غادورا من مطار القاهرة .. ولا تقلق فجميع اتصالاتك ستكون من رقم أوروبي بكود دولة ألمانيا وكأنك بالفعل هناك). كان مصطفى يكتشف كل يوم ذكاء زياد واتقان النظام الذي أُسس به المكان ؛ لقد عرضوا عليه في البداية النجاة من أزمته مقابل عمل بلا أجازات طوال حياته فوافق على عرضهم دون أي شروط لأن النجاة نفسها كانت الهدف مستحيل المنال؛ لكنهم كانوا يعدون بالأقل لتكون أي ميزة إضافية كرماً بالغاً منهم وليس حقًّا أصيلاً فياللعبقرية الخبيثة في التحكم بالآخرين ؛ يخرج مصطفى من مكتب زياد وهو يفكر في التقنية المتطورة التي يستخدمها المكان ؛ أهو فعلا في مصر ولكن فكرة أخرى قفزت إلى رأسه واحتلت تفكيره ؛ لماذا لم يسأل؟ ألم يكن يتصور أن هناك إجازة من السجن الذي يعيش فيه أم أن فكرة الإجازة كان كرماً زائدا ممن يراقبون الجميع.

(نحن هنا) قالتها ربوة التي مر مصطفى الغارق في التفكير من أمامها دون أن يلقي حتى التحية فقطعت حبل أفكاره وجذبته إلى عالم عينيها الذي كان يبعث فيه مشاعراً تخرجه من حدود المكان فخياله كان عاجزاً حتى عن مغادرته إلا عندما ينظر في عيني ربوة؛ الحوار هذه المرة كان مختلفاً فقد كست ملامحها بعض ثلوج الحزن؛ علم منها مصطفى أن أمراً عائليا طارئا سيجبرها على العودة لمنزلها وأنها في الطريق لمقابلة زياد لطلب أجازة عاجلة ؛لم يطل الحديث ليعرف مصطفى ما هو الأمر العائلي الطاريء فقد استأذنت ربوة سريعاً وواصلت طريقها إلى مكتب زياد لكن القلق الذي تنامي في نفس مصطفى على ربوة جعله يسأل عم فتحي عندما جاء يعلمه كيفية الاتصال بالعالم الخارجي والتي كانت تتم عن طريق برنامج مثبت على الحاسب (تقريباً شقيقها لديه مشكلة قانونية) أجابه عم فتحي بهدوء فصمت مصطفى للحظة ثم انفجر ضاحكاً فتأمله عم فتحي للحظات ثم شاركه الضحك الذي انتهى بجملة مصطفى (آمل ألا يحل له زياد مشكلته ونجده معنا هنا بعد عدة أيام).

***

أنهى مصطفى مكالمته مع رئيس المباحث وتركه يتآكل في نيران الحيرة لقد كان كلّ شيء على ما يرام في إجابات مصطفى بشكل فتح أبواب الريبة على مصراعيها في عقل رئيس المباحث الذي يعلم جيدا أن لا شيء يكون مثاليا إلى هذه الدرجة أبداً ؛ لكن المكالمة المهمة كانت التي أجراها مصطفى كانت لأمه التي أضاءت سعادة عندما انبعث صوته من سماعة الهاتف ؛ كان قلقها عليه قد بلغ مداه لكن استطاع أن يطمئنها ويبعث الفرح داخلها بأخبار نجاحه في عمله ؛ لم يهتم مصطفى بالاتصال بأي شخص آخر كانت سعادته بمكالمة والدته أسطورية لكنه في اليوم التالي اتصل بصديقه هاني الذي لم يكن مصدقاً لتغير حال مصطفى الجذري في هذا الوقت القصير وفي نفس الوقت كان حال هاني قد تحسن كثيراً لتركه عمله القديم كنادل في أحد الفنادق واستقراره بالعمل مع صاحب المنزل الثري الذي حضر فيه مصطفى حفل ليلة رأس السنة المشئومة التي التقى فيها بسهير القتيلة صدفة وفَقَد بعدها حريته ؛ كانت لدى مصطفى ساعة من الاتصالات اليومية حددت وفقاً لأدائه في العمل ؛ كان يحدث شقيقيه وبعض أصدقائه لكنه لم يتصل بأي من النساء اللاتي طالما أمضى معهن لياليه ؛ ربما لمشاعره تجاه ربوة وربما لكون تلك المكالمات أودت به في هذا المكان بتورطه في جريمة قتل سهير وربما للسببين معاً.

كانت مراقبة مصطفى لحياة السبعة أشخاص تبعث فيه شعورا باحتقار نفسه في البداية لكن ذلك الشعور خفت شيئاً فشيئاً وحلّ مكانه شعور غريب بالقوة ؛ إن تمكنك من رؤية حياة الآخرين بلا جدران تمنحك منظوراً علوياً للحياة ؛ بدأ مصطفى يتسلى بمتابعة حياتهم وكأنها مسلسل تلفزيوني يومي الحلقات وأحياناً كانت التفاصيل واللحظات المتعلقة بالجنس تثيره رغم شعوره بالجرم لمتابعتها لكنه لم يستطع منع نفسه من متابعة بعضها ؛ زواج الراقصة دوللي السري بأحد المطربين المشهورين بالأخلاق الحميدة سبب صدمتين لمصطفى الأولى في كون المطرب كان مثالاً أخلاقيا وتزوج من راقصة والثاني هو كيف كان دنيئاً معها رغم حبها له بل وكيف كان يستغلها مادياً وفنياً أيضاً فكم دفعها لجعل معارفها من المنتجين يرشحونه للتمثيل أو الغناء في أعمال من إنتاجهم وكان يتغاضى تماماً عن طمعهم في جسدها وكأنه لا يرى نظراتهم لها ؛ في النهاية كان طلاق دوللي من ذلك الكائن الوصولي حتمياً لكنّ حزنها سبب لها اكتئاباً لفترة طويلة فلازمت المنزل وانتقل اكتئابها من النفس إلى الجسد فمرضت و لازمت الفراش.

شخصية المذيع شهاب درويش كانت تثير استياء مصطفى فطالما رآه أفاقا تقليدياً ؛ لكنه عرف كونه أفاقاً مختلفاً ومن الطراز الأول عندما تابع حواره مع المدير التنفيذي للقناة الفضائية الكبرى ؛ كان بلا قيم بلا مباديء مستعدّ للذهاب إلى آخر حدود النفاق والعزف على أوتار مصلحته ليل نهار؛ بعد فترة انتقل المذيع للقناة الكبرى بعد أن وضح لهم أنه يفهم طريقة النقد المتبعة لديهم؛ كان برنامجه شيقاً يتعمق في مشاكل المجتمع ويظهر مآسيه لكنه لا يوجه أصابع الاتهام للحاكم أو للنظام أبداً ؛ المقصر مسئول .. رئيس حي .. موظف كبير .. إدارة مؤسسة .. أو حتى وزير لكنّ النظام أو الحاكم غير موجودين على قائمة الاتهام من الأصل؛ الجانب الغريب في حياة شهاب كان الجانب النسائي فقد كانت نصيحة المدير التنفيذي له ألا يرتبط بالمشاهير من النساء أو المتاحات منهن للسياسيين فذلك يعد تعارض مصالح معهم ومن المفروض ألا يحدث ؛ كان شهاب قد قارب الأربعين فقرر الزواج لكنه كان جشعاً وطموحاً كعادته فتزوج من “سهى” ابنة “فهيم الألفي” الذي كان مسئولا سابقاً وأصبح من المقربين للنظام الحاكم بعد تركه للمنصب ؛ بالطبع مسئول سابق له نفوذ في الدولة لن يختلف كثيراً من ناحية الوضع الاجتماعي وتثبيت مركز شهاب لكنه سيبعد عنه شبح النسب مع النظام فهو كمعارض ديكوري لا يجب أن يرتبط بشكل وثيق مع مسئول حالي ؛ وسهى كانت متحررة مثل شهاب ولديها نفس الأفكار تقريباً و بما أن المادة لا تشكل أي عائق لهما تم الزواج بسرعة أصابت مصطفى ببعض الحقد الطبقي على العروسين الثريين اللذان أقاما عرسا عائلياً محدوداً ولكن على شاطيء الريفيرا في أوروبا.

انقلبت حياة الناشرة فريدة الحطاب رأساً على عقب لقد أصبح ترشيح زوجها الأستاذ الجامعي للوزارة تعييناً في تعديل وزاري خاطف ؛ لم يكن التغيير من حيث نظرة الناس لها أو من حيث الحراسة والأبهة فقط فهى من الأصل في مستوى راقٍ والفرق لم يكن كبيرا جداً وإن كان موجوداً خاصة في تعامل الآخرين معها ونظرتهم لها ؛ لكن التغير الحقيقي كان في سلوك زوجها .. تغير الرجل كثيراً  .. للسلطة تأثير كبير على نفوس البشر؛ لكن هذا لم يكن أكثر ما أزعج فريدة إن تدخل زوجها المفاجيء في ما تقوم بنشره من كتب في دار النشر كان غريباً ومثيراً للحنق لديها ؛ لقد بدأ يمارس دور الرقيب على ما ينشر دون أن يصرح بذلك والأغرب هو بدئه في إعطائها أسماء كتاب غير موهوبين من وجهة نظرها وإبداء رغبته في أن تنشر أعمالهم ؛ كان أغلب هؤلاء الكتاب معارضون للنظام بشكل صريح فلم تفهم سرّ رغبته في نشرها لأعمالهم ؛ لكنه فكّ لها طلاسم ذاك اللغز فهم من طائفة التنفيس عن الشعب ؛ ربما يكونون أنصاف مواهب أو مواهب غير مهمة في مجالات الكتابة لكنهم يتقنون التنفيس عن الشعب ويجيدون توجيه اللوم والاتهامات إما على الحظ العاثر والقدر وأما لشخصية ظالمة في المجتمع حتى وإن كانت تابعة للنظام لكنّ النظام ورأسه يظلون كما هم غير موجودين في قائمة الاتهام ؛ هنا بدأ مصطفى يدرك أن هذا البلد يدار بمنظومة واحدة وفكر واحد ينفذه الجميع بطرق مختلفة.

في تلك الأيام لم يكن هناك جديد يكتب في الملاحظات عن رجل الأعمال نخيلي سوى تفاصيل الصفقات وخوفه من منافسه الجديد ابن الوزير الذي افتتح شركته المنافسة لنخيلي في مجال احتكره لأعوام ؛ كان الرجل حكيماً ويفهم نظام الدولة جيداً وسرعان ما قلص حجم أعماله في ذاك المجال شيئا فشيئا ؛ أما غياب ندى بعد سفرها لتلقي الدورة التدريبة خارج مصر جعل ملفها مغلقاً مؤقتاً فلم تعد مراقبتها ممكنة سوى عن طريق ولوجها لشبكة الانترنت والتي انقطعت تماماً في فترة من الفترات ولكن الإدارة نبهت مصطفى أنها أصبحت أهم بكثير من ذي قبل ووجهته لانتظار عودتها والاهتمام بمراقبتها ؛ أما حمدي سائق التاكسي فقد كانت الحياة تتفنن في نسج خيوط معاناته اليومية وهو يتفنن في إلقاء النكات والسخرية منها.

***

علم مصطفى من صهيب وأمجد بعودة ربوة فاتجه دون تفكير للعيادة ليراها ؛ لم يستطع إخفاء شوقه إليها ولا هى استطاعت. لقد تأكدا من مشاعرهما لكنّ قانون المكان واضح وصريح العلاقات الشخصية ممنوعة منعاً باتاً وحين بدأت ربوة تحاول التعرف أكثر على حياة مصطفى تهرب من الحديث معها فتلك مخالفة قد تكلف ربوة نقلها من المكان ؛ ربما هى لا تعرف بطبيعة العمل فيه ولكن مصطفى يعرف جيداً كون من يراقبون كل هؤلاء الناس بالتأكيد سيراقبون موظفيهم؛ تعجبت ربوة من تهرب مصطفى حين أرادت التعرف على حياته ؛ لكنها أدركت من نظرته الملتاعة أن ذلك أمر حتمي فازدادت ريبتها من طبيعة العمل في المكان خصوصاً بعد أن حلّ زياد مشكلة أخيها القانونية الكبيرة بمكالمة تليفونية واحدة بعد أن وجدها ستضطر للتغيب طويلاً عن العمل.

(هم يفضلون أن يستمر معهم الشخص لأطول فترة ممكنة .. ولا يحبون تغيير الموظفين أو المراقبين أبداً) قال صهيب تلك الجملة وهو يسير مع أمجد ومصطفى في الطريق لملعب كرة القدم ؛ قالها بصوت منخفض وكأنه يحس بمراقبتهم حتى في تلك الأرض المفتوحة ودون وجود أي أجهزة محمول مع أي منهم ؛ أنهى مصطفى المباراة وعاد لغرفته وبدأ في العمل قليلاً لم يكن هناك شيء غير اعتيادي عندما استأنف الاستماع لهم رئيس المباحث يواصل العمل مع المجرمين والمتهمين ؛ المذيع يستمتع في شهر العسل؛ الناشرة تواصل الجدال مع زوجها الوزير؛ رجل الأعمال يواصل الصفقات والاجتماعات ؛ ندى الناشطة تواصل التدريب بالخارج وتظل غائبة عن المراقبة وحمدي سائق التاكسي يواصل إلقاء النكات ؛ ولكن أين الراقصة دوللي؟ كان قد تركها مكتئبة ونائمة منذ أكثر من عشر ساعات. عاد للتسجيلات فصدم ؛ لقد قررت الانتحار كان الاكتئاب وصل إلى منتهاه وكانت تحدث نفسها بصوت مرتفع؛ اتصلت بالصيدلية وطلبت علبة أقراص منومة وقامت بتعاطيها بالكامل؛ جن جنون مصطفى ماذا تراه يفعل .. أيتركها تموت دون أن يحرك ساكناً .. فكر أن يطلب المشرف ويترك التصرف له لكنه شكّ في أن يفعل المشرف شيئاً فتصرف هو؛ راجع التسجيلات سريعاً حتى وصل لرقم مساعدتها التي كانت دوللي تمليه لأحد متعهدي الحفلات ودون تفكير اتصل بها فظهر رقمه الدولي لديها فحدثها على كونه متعهد حفلات من ألمانيا ويتصل من الصباح بدوللي ولا مجيب ويجب أن يحسم أمر إقامة حفل ضخم جداً في ألمانيا لها وإلا اضطر لجلب راقصة أخرى وترجى المساعدة أن تتجه لمنزلها فوراً لكي يتمكن من محادثتها (ماذا تفعل أيها الأحمق؟!) جملة صدمت مصطفى بعد أن قطع اتصاله بمساعدة دوللي الراقصة ؛ كان قائلها المشرف ؛ لم يمر الكثير حتى وجد مصطفى نفسه واقفاً أمام زياد صاحب الخطوات الواثقة في مكتبه وهو يقول بحزم (شهر من الحرمان من الاتصالات الخارجية .. و خصم نصف الأجازة ونصف المكافئة السنوية) حاول مصطفى تبرير موقفه فواصل زياد حديثه بحنق (نحن مُراقِبون .. دورنا إيصال المعلومات ليس إلا .. وما فعلت قد يعرض المكان لخطر كشف وجوده .. وهذا ما لن يسمح به أبداً .. إذا تكرر مثل هذا التصرف  فستكون العواقب مؤسفة جداً بالنسبة لك) كان تهديد زياد واضحاً وصريحاً  كما  كانت العقوبة مؤلمة لكنّ انقاذ حياة إنسانة وإصغاء مصطفى إلى صوت ضميره الذي ظنه رحل دون عودة كانا كفيلين بتخفيف وقع العقوبة عليه ؛ لكن توقف اتصاله بالعالم الخارجي كان مؤلماً إلى أبعد الحدود خاصة مع معرفته بقلق أمه البالغ عليه بسبب ملابسات رحيله المفاجيء.

 #مقطع 7

(سنفتقدك يا أحمد باشا) كانت تلك المرة الأولى التي يحدث فيها الأمين سيوفي رئيس المباحث باسمه “فسعادة الباشا” و “يا أفندم” كانا دوماً أدوات النداء والتعريف له ؛ جاءت حركة التنقلات مخيبة للآمال لرئيس المباحث بعد نقله إلى أقصى الصعيد بنفس طبيعة العمل كرئيس مباحث؛ وكانت أيضاً مخيبة لآمال مصطفى الذي كان يظن أن رئيس المباحث الذي كان مهتماً به قد يكون مفيداً له في قضية قتل سهير التي قيدت ضد مجهول وظلّ هو أمام نفسه وأمام زياد صاحب الخطوات الواثقة المتهم الوحيد فيها ؛ كان شعور سيوفي مختلفاً كان يشعر بالذنب فقد أحس أن نقل رئيس المباحث جاء بعد إبلاغه المامور بأنه أخبره بما وقع مع مصطفى؛ أما المأمور نفسه فقد ازداد قلقه وخوفه من زياد الذي وجّهه أحد مساعدي الوزير بتسهيل مهمته وتنفيذ كل رغباته وأوامره ولقائه في القسم بنفسه في منتصف الليل ؛ كان العمل بالصعيد مختلفاً تماماً عن عمل رئيس المباحث المعتاد في القاهرة؛ فالرصاص المتطاير في مقاومة العمليات الإرهابية كان يشتبك مع رصاص العائلات المشتعلة بنيران الثأر؛ في الأسبوع الأول أصيب رئيس المباحث بطلق طائش أصابه بجرح في ذراعه ورقد في المستشفى لعدة أيام ؛ لكن طيبته وذكائه الفطري وشخصيته القوية حولوا الموقف تماماً عندما استطاع إخماد نيران الثأر المشتعلة منذ زمن بعيد ؛ وكانت مكافأته ترقيته للعمل كمأمور لنفس المركز بالصعيد بعد أن أحبه أهله وأصبح مطاعاً بينهم.

عاد المذيع شهاب من شهر العسل ليواجه حسد صديقه “وسيم رستم ” بالضحك فوسيم لن يتمكن من الزواج على الأقل في مصر لكونه يريد الزواج من رجل مثله ؛ تعجبت زوجة شهاب من كونه يرى رغبة وسيم في الزواج المثلي طبيعية بل ويشفق عليه لكونه لا يستطيع أن يحققها فبرغم تحررها الشديد لم تكن مقتنعة بفكرة زواج المثليين وازدادت حيرة سهى من طبيعة شخصية زوجها عندما وجدته يستضيف علماء دينيين في برنامجه الجديد بالقناة الكبرى ويدافع عن مكارم الأخلاق على الملأ ؛ كان شهاب مشغولاً عنها طوال الوقت لكون برنامجه يذاع بشكل يومي وكان يريد إثبات نفسه في القناة الجديدة ؛ فبدأت في عيش حياتها كما كانت قبل الزواج وتركته يعدو خلف طموحه ؛ ظلت نسبة مشاهدة برنامج شهاب تنمو ومعها ينمو طموحه وتتضخم أطماعه فالأضواء كالسلطة طعام لا يُشبع منه أبداً ؛ كلما أكلت منه ازددت جوعاً ونهماً لالتهام المزيد .

اختلافات حادة بدأت تقطع أحبال الودّ بين الناشرة فريدة وزوجها الوزير لقد أصبح شخصاً آخر لا تعرفه وبدأت تظن أن تلك الشخصية النهمة في تناول السلطة كانت مخبأة بداخله طوال أعوام زواجهم ؛ لقد توقفت عن تنفيذ أوامره بالنشر لأولئك الكتاب الأفاقين كما وصفتهم وعادت لنشر ما ترغب لكن ذلك لم يمر بسلام في علاقتهما ؛ تركها الوزير مع أبنائهم في شقتهما بالزمالك وانتقل هو للعيش في فيلا جديدة قال أنه قام بتأجيرها لكنها اكتشفت أنه اشتراها فتفاقمت المشاكل وبدأت الفجوة تتسع بينهما ؛ هل أصبح مرتشياً أم فاسداً ؟ سؤال لم تستطع الإجابة عليه ولم تجرؤ على مشاركته مع أحد فهى تعرف جيدا إجابته وسيتسرب من شفتي من يسمعه منها في كل مكان ولن تجنى سوى تشويه سمعة والد أبنائها ومجاهرته بالعداء ؛ كانت تفهم النظام جيداً وحتى نشرها لبعض كتابات معارضيه أو منتقديه كانت بحسابات دقيقة لا تورطها في مواجهة معه ؛ فهو نظام لا يرحم معارض حقيقي.

هناك حرس جديد يُنحّي رجال الحرس القديم ؛ حقيقة أدركها رجل الأعمال نخيلي بعد عدة مواقف اكتشف هشاشة موقف رجال الحرس القديم منها ؛ أصبح رجال الحرس الجديد هم اللاعبون الرئيسيون فبدأ نخيلي يقوي روابطه بهم وفكر أن يزوج ابنه الأكبر من شقيقة أحدهم فزواج المال بالسلطة صفقة مضمونة للطرفين؛ وبالفعل مهد الطريق لتلك الزيجة وتم الزواج في فرح أسطوري لطفت أجواءه الراقصة دوللي التي استعادت نفسها بصعوبة وعادت للأضواء وحضره كل نجوم الفن والمجتمع وكل من يقتسمون كعكة السلطة والمال من الحرسين القديم والجديد وكانت تلك أول مرة يلتقي أكثر من مراقب لمصطفى في مكان واحد فقد حضر شهاب حفل الزفاف كما حضرت فريدة مع زوجها الوزير لإصراره على عدم المساس بمظهرهم الاجتماعي وعدم إحراج مركزه كوزير؛ كان حضور دوللي وشهاب وفريدة متوقعا لمصطفى لكن من لم يتوقع حضوره أبدا هو ندى التي عادت لمصر للتو بعد إنهائها الدورة التدريبة ؛ لقد أصبحت مختلفة تماماً وبدأت علامات الثراء تظهر عليها جلية في تلك الليلة ؛ وأكثر ما أدهش مصطفى هو حديثها وتفكيرها الذين تغيرا تماماً كأنها ولدت من جديد ؛ وتوالت المفاجأت فقد قطعت علاقتها بمنتهى البرود بحبيبها القديم وليد فهو لم يعد مؤهل للمرحلة القادمة من حياتها ؛ أصبحت ندى تلف ربوع مصر بلا كلل وتلتقي بالعديد من الشباب يوميّاً وتضم العديد منهم للحزب ؛ تنظم المؤتمرات وتلقي الخطابات التي تطالب بتغيير أوضاع الفقراء رغم كونها لم تعد تنتمي لهم فتدريجياً انتقلت للعيش في شقة بأحد الأحياء الراقية وأصبحت ضيفة دائمة ومعلقة على الأحداث للعديد من القنوات الإخبارية العالمية.

كان المهمش سائق التاكسي هو الوحيد الذي تتكدس فوقه المشكلات ؛ كانت الصورة  تزداد سواداً من حوله والضغوط تطحنه بلا رحمة ولا هوادة ؛ دخله الهزيل لم يكن كافياً أبدا لنفقات إخوته ووالده المريض وحلم الزواج أصبح مستحيلاً ؛ في النهاية خضع المهمش للشيطان الذي تمثل في “عرفة” تاجر المخدرات الذي طالما ألح عليه للعمل في توزيع الصنف عن طريق التاكسي ليدرّ أرباحاً طائلة تحل جميع مشاكله ؛ جن جنون مصطفى لخضوع سائق التاكسي فقد كان متعاطفاً معه لأبعد الحدود والآن يجب أن يدرج في تقريره أنه انضم لتجارة المخدرات مما سينقل حمدي لمراقبة أخرى مختصة بذلك ؛ فكر أن يحذره ولكنه تذكر ما حدث له عندما حاول التدخل لإنقاذ دوللي من الانتحار.

أتى وقت كتابة التقرير فجأة ومصطفى يدور في أرجاء الحجرة كأسد أسير من شدة الاضطراب والتفكير ؛ هو يعلم جيداً أن المراقب أو المراقبين الآخرين لحمدي سيدرجون ما حدث في تقريرهم ولن يغفلوا نقطة كهذه ؛ فكر هل يمكن أن يعرف من يراقبون هذا المهمش معه ويثنيهم عن ذكر ما حدث؟ هل يمكن أن يكونوا متعاطفين معه مثله ولا يذكرون خضوعه من تلقاء نفسهم؟ هل هل؟  كل الأسئلة بلا إجابة .. والنتيجة معروفة يجب أن يخضع مصطفى هو الآخر فأي شيء سيفعله سيكون دون جدوى وهو لا يستطيع المخاطرة بحرمان آخر من صوت أمه وعلاقته بالعالم الخارجي وخصم المزيد من أيام إجازته السنوية وربما الأسوأ من ذلك بتنفيذ تهديد زياد الحازم له ؛ جلس مصطفى يكتب تقريره اليومي وأدرج ما حدث وفي اليوم التالي حذف حمدي سائق التاكسي من قائمة من يراقبهم مصطفى وفتحت له قائمة بوجوه العديد من المهمشين ليختار منهم الشخص الذي سيراقبه مكانه فترك مصطفى القائمة وغادر الحجرة والضيق يتملكه كانت تلك هى المرة الأولى التي يلمس فيها الضرر الذي يصيب الأشخاص المراقبين؛ بالتأكيد سيزج بذلك المهمش في السجن ؛ هنا سطعت فكرة في رأس مصطفى أمن الممكن أنه كان مهمشاً مراقباً مثل حمدي وكان ذلك سبب معرفتهم ببرائته وسبب كل ما حدث له؟ .. سؤال آخر بلا إجابة.

ضمير مصطفى وانعزاله عن أهله وعالمه كانوا يشكلون جحيماً بالنسبة له ولم يكن هناك شيء يسري عنه سوى لقاءاته القصيرة بربوة ؛ كانت بالنسبة له جنة الجحيم الذي يعيشه بعدما وجد حباً حقيقياً أخيراً لم يكن يفكر في ما ستؤدي إليه مشاعرهما ؛ لقد تغافل متعمداً عن كون حبهما بلا أمل؛ فالمشاعر والعلاقات ممنوعة في الجحيم الذي التقيا فيه ؛ نصحه عم فتحي بعدم التفكير فيها لكي لا يعاني .. نصيحة لم تلق أذنا لدى مصطفى وفي النهاية جلس فتحي يساعده على اختيار مهمش جديد ليراقبه بعدما طمأنه أن المهمش السابق سائق التاكسي لن يقبض عليه إلا بعد فترة بعد أن يعرفوا من خلاله العديد ممن يتعاملون في المخدرات من تجار ومتعاطين ؛ كانت المرة الأولى التي يختار فيها مصطفى بشكل فعلي تفحص الوجوه والسير الذاتية بدقة. الجميع متشابهون في الظروف الاجتماعية تقريبا مع اختلاف الوظائف والملامح ؛ وقع اختيار مصطفى على “حسين” الشاب الذي يعمل في أحد السايبرات بحي شعبي .. كان ولوجه لشبكة الانترنت دائماً وكان يمتلك هاتفاً محمولاً وكان نسخة من مصطفى في العلاقات النسائية عرف مصطفى هذا من تفقده للماسنجر الخاص بحسين الممتليء بتعريفات تذكره بالنساء كما كان يفعل في الماضي الذي أصبح بعيدا رغم مرور بضعة أشهر فقط عليه .. ربما لهذا السبب اختاره مصطفى فتوقفه عن معرفة النساء لا يمنعه من متابعة ما يحدث في عالمهن ولو عن طريق حسين عامل السايبر .. إنه الحنين للعادات القديمة بطريقة جديدة.

—-

 #مقطع 8

أخرج مصطفى نفسه من حالة تأنيب الضمير باللامبالاة والتسلي بالأحداث التي تدور في حياة الأشخاص؛ لقد تعلم هذا من صهيب أما أمجد فكان مختلفاً كان يراقب كلّ شيء في صمت وكأنه تمثال لقد أقنع أمجد نفسه أن كل ما يحدث حلم سخيف متكرر فأصبح لا يتفاعل أو يتأثر بأي شيء يراقبه؛ كانت هواية أمجد كتابة الشعر العربي وبعد إلحاح وتشوق طويل من مصطفى وصهيب أسمعهم إحدى قصائده:

(يقعُ الحدثْ عبثٌ عبثْ

الحال كالمومياء رثْ

والشعب مُزّق ما اكترثْ

والحمق داخلنا يُبثْ

صرنا ملايين الجثثْ

الكل موتى من يرثْ

كيف الولادة والرفثْ؟

نستاء إن ربي بعثْ

وإن الضياء بنا انبعثْ

و بلا حراكٍ لو نُحثْ

نحن الضياع لمن بَحثْ

نحن الهلاك لمن لبثْ

منا استعذْ مثل الخبثْ

فرّ الهروب وكم لَهثْ

أبداً بنا لا تستغثْ

عبثٌ عبثْ)

خيّم صمتٌ طويلٌ على مصطفى وصهيب بعد سماع قصيدة أمجد ففي النهاية كان تحت قشرة التمثال التي تغطي أمجد بركاناً من المشاعر.

***

كَمُّ التناقضات الذي شاهده مصطفى في نفوس البشر كاد يصيبه بحالة انفصام في الشخصية ؛ فرئيس المباحث الحازم في أعين الجميع كان في الحقيقة شخصاً طيباً ومهتماً بالناس إلى أبعد الحدود ؛ الراقصة المتعرية تنصح صديقتها التي انخرطت في أعمال الدعارة بتقوى الله ؛ المذيع الداعي للأخلاق والفضيلة شخص منحل أخلاقياً ولا يرى مانعاً في زواج المثليين؛ الناشرة الطموحة في عالم الثقافة في الحقيقة أمّ تريد تربية أبنائها بهدوء وتريد الابتعاد عن القمة التي يجذبها إليها زوجها الوزير ؛ رجل الأعمال الجشع لا يفوت فرضاً من فروض الصلاة ؛ الناشطة السياسية التي كانت تطالب بحقوق الفقراء لا تكترث إلا بإثراء نفسها وعدم العودة للفقر مرة أخرى ؛ المهمشان اللذان راقبهما رغم عدم اهتمامهم بالسياسة مطلقاً كانا يدركان حجم الفساد الذي ألم بالوطن ويفهمان أبعاده جيدا ويلعنان النظام الحاكم الذي دمر حياتهم وجعلهم كخيال المآتة في المجتمع وكالثور المربوط في الساقية طوال اليوم بلا أي طائل أو أمل في حياة كريمة.

***

(ستكون أجازتك السنوية لأسبوعين يبدءان من الغد ..وستحصل على عدد من الهدايا ألمانية الصنع لتمنحها لأهلك عند رحيلك .. مكافاتك عن هذا العام عشرون ألف جنيه  .. بالطبع كان لك ضعف أيام الإجازة وضعف المكافأة لكني أظنك تذكر سبب الخصم جيداً). قال زياد جملته وهو يتفحص ملامح مصطفى التي تداخلت فيها ملايين الأحاسيس؛ أخيراً سيرى والدته ويعود لعالمه الذي انتزع منه ؛ كانت سعادته بلا حدود ولم يعكر صفو أفكاره سوى قسوة اقتطاع نصف أيام أجازته بسبب إنقاذه لحياة دوللي الذي لم يندم عليه (هذا هاتفك المحمول .. فلتحرص على إبقائه مشغلاً وبجوارك طول الوقت) قالها زياد وهو يناول مصطفى هاتفاً محمولاً قيماً وقطعة ورق عليها رقمه ؛ بالطبع سيكون مصطفى مراقباً بعناية طوال الأجازة ولن يجرؤ على أن يخالف أيا من التعليمات فالعقوبات قاسية إلى أبعد الحدود كمكافآتهم السخية ؛ عشرون ألف من الجنيهات لم يملك مصطفى مثل هذا المبلغ من قبل وكان هذا مبلغاً ضخماً للعمل في بلد متوسط الرواتب فيها آنذاك خمسمائة جنيه شهرياً . قدما مصطفى قادتاه إلى العيادة ليلتقى بربوة التي لم تستطع إخفاء حزنها لخبر فراقه في البداية لكنها سرعان ما شاركته سعادته الفائقة بالأجازة واهتمت بألا ينتهي لقاءهما وهو يشعر بالحزن؛ لكنه تركها وهى تشعر بالحيرة لعدم إجابته على سؤالها البريء (لماذا لا تحصل على أجازات أسبوعية مثلي؟)

***

(إن مشاعركما خطر على كل منكما ؛ إن تفوهت بحرف عن سبب عملك هنا أو سبب اختلاف طبيعة أجازاتك عن أجازات ربوة فربما لا تراها هنا مرة أخرى) قالها عم فتحي وهو يساعد مصطفى في إعداد حقيبته فأجابه مصطفى (أنا لم أجب عليها لأنني ادرك هذا .. ولكن لماذا لا تكون أجازات المراقبين كالإدرايين) يجلس فتحي مشعلا لفافة تبغ وينفث دخانها فيقلده مصطفى (المراقبون جميعهم في مثل ظروفك .. أي أنهم في الأصل يقضون فترة عقوبتهم بشكل مختلف .. ومن الرائع أن لهم هذه العيشة الرائعة والأجازات السنوية و المكافآت .. أما الأداريون فنوعان نوع كربوة يعمل في الجانب الطبي أو الخدمي وهم لا يعرفون أي شيء عن طبيعة العمل هنا .. سوى أنهم في مؤسسة حساسة وسرية تابعة للدولة هم يظنون أنفسهم في المخابرات أو أمن الدولة ويُحَذرون جميعاً من الاستفسار عنا أو عن طبيعة عملنا عند الاختلاط بنا؛ أما النوع الثاني فهم مثل زياد يعرفون كلّ شيء ؛ ونحن لا نرى أيّا منهم إلا نادراً لأنهم يعملون في الأدوار السفلية ولهم مدخل آخر وأماكن ترفيه أخرى لا ندخلها ولا نختلط بهم أبداً). نكس مصطفى رأسه والحزن يمنحه مظهراً قاتماً فجلس فتحي بجواره وربت على كتفه قائلاً (تناساها .. حاول أن تخطب فتاة في فترة أجازتك .. ظروفك مثل معظم المغتربين وستجد العديد من الفتيات ممن يقبلن بزوج لشهر كل عام أو لأقل من ذلك .. فظروف الحياة أصبحت صعبة على الجميع والزواج لم يعد سهلاً هذه الأيام).

***

ودع مصطفى صهيب وأمجد بأحضان طويلة ؛ كان تأثر أمجد أكبر بكثير فهو هارب من أهله بسبب عمه الذي يرغب في التخلص منه ولهذا فلا يعود إليهم في أجازته بل يمضيها بأحد القرى السياحية المنعزلة والتي لا يُحتمل أن يقابل فيها شخصاً يعرفه ؛ أما صهيب فكان متحمساً لأجازة مصطفى التي ذكرته بقرب موعد أجازته وقال (لا تنسَ أن تخبر القاهرة أني سأعود إليها قريباً وأسوّي الهوائل فيها) أما ربوة التي وقفت تراقب رحيل مصطفى من بعيد فقد كانت آخر شيء وقعت عيناه عليه وهو يركب السيارة التي ستعيده لمنزله فابتسم لكون آخر شيء رآه في المكان الذي تحول جحيماً هو ربوة جنة الجحيم الوحيدة ؛ بنفس أسلوب مجيئة كان رحيله ناول الرجل الجالس بجوار السائق زجاجة عصير لمصطفى فأدرك أنه بمجرد احتسائه للعصير سيغيب عن الوعي؛ وهذا ما حدث؛ لكن تأثير المخدر لم يكن قويًّا كالمرة الأولى لم يغب عن الوعى إلا لقرابة الساعتين وأفاق ليجد نفسه في قلب القاهرة (أنا لم أنم طويلاً) قالها مصطفى فلم يرد عليه السائق أو حتى الرجل الجالس بجواره لكنه فهم أن مخدر العودة لا يمكن أن يكون قويًّا لكي يفيق قبل الوصول لمنزله وإلا اضطروا لانتظار إفاقته في السيارة ؛ ناوله الرجل الجالس بجوار السائق جواز سفره فتفقده مصطفى ووجد تأشيرات خروجه من مصر وعودته إليها قد أضيفت إليه كما أخبره زياد صاحب الخطوات الواثقة وقبل أن يهبط مصطفى من السيارة  كان الرجل الجالس بجوار السائق قد لقنه بعض التفاصيل الرئيسية عن إقامته المزعومة في ألمانيا وعمله هناك لكي لا يضطرب إن سأله أحد.

كان السيناريو دقيقاً وبسيطاً يعمل في مطعم يخدم العرب المقيمين هناك .. ويقيم بجواره والمطعم في شارع التسوق الشهير”كورفورستندام” في حي “شارلوتنبورج” في قلب العاصمة “برلين” وهو لا يغادر المطعم إلا نادراً لكونه لا يعرف الألمانية ؛ وهو يعمل في المطبخ إن قابل مصريّا ارتاد المطعم ولم يقابله ؛ وجميع المصريين العاملين في المطعم في الحقيقة من خارج دائرة علاقات مصطفى تماماً وتم التحري عنهم بنفس أسلوب التحري عن الشخص المرغوب مراقبته قبل ترشيحه للمراقب ؛ مُنح مصطفى عدة صور مركبة بعناية وجودة فائقة له في ألمانيا بجوار المطعم وفي بعض المعالم المشهورة هناك أثارت دهشته لأنه شعر أنها حقيقية؛ كانت الدقة متناهية وكل شيء موضوع في الحسبان.

أغرقت شوارع حي العباسية المزدحمة مصطفى في فيض من الأفكار .. كان يفتقد الزحام كما يفتقد الحرية ؛ لكن افتقاده لأمه كان أعظم بكثير .. لم يدر كم من الوقت قضى بين ذراعيها بعد مفاجأة عودته التي كادت تفقدها الوعي من السعادة ؛ ظلت تشكر الله وظل يقبل يديها وفي تلك الليلة بات في سرير أمه كالطفل وكم تمنى لو عاد جنيناً داخلها ولم يلتقِ بالحياة ؛ أيقظه صوت الآذان فتعجب كثيراً لكونه لم يسمعه لقرابة العام ؛ كانت أذناه تفتقدان الآذان فالمكان لا يضم مسجداً وحين سأل في صباح أحد أيام الجمعة أخبروه أن هناك زاوية يصلي فيها من يريد ولا تقام فيها شعائر صلاة الجمعة ؛ أمضى مصطفى يوم أجازته الأول غير مصدق لعودته للمنزل الذي كان دافئاً ومحبباً لنفسه برغم بساطته وانعدام المقارنة بينه و بين جناحه الفندقي في المكان.

في اليوم الثاني اتصل بصديقه هاني الذي مر بسيارة فارهة لاصطحابه فاندهش مصطفى وقبل أن يبدأ هاني في سرد سبب التغيّر الكبير في حالته المادية طلب منه مصطفى التوجه إلى أحد الديسكوهات فقطب هاني حاجبيه مندهشاً وقال (من الواضح أن الحياة في أوروبا غيرتك كثيراً) يبتسم مصطفى الذي لم يكن تغير لكنه أراد أن يذهبا إلى مكان مزدحم به أصوات صاخبة ليتهرب من المراقبة الملاصقة له عن طريق هاتفه المحمول؛ فور أن دخلا الديسكو وعلا صوت الموسيقى أخذ مصطفى هاتف هاني المحمول وأشار له ليصمت ثم وضع الهاتفين معاً داخل معطف هاني وناولهما لبعض الشباب الجالسين على طاولة مجاورة لهما وقال (هيا لنرقص) ثم سحب هاني مبتعداً لكنه لم يذهب به لدائرة الرقص بل سحبه ليخرجا خارج الديسكو ويقفان في ركن منعزل لا يوجد فيه أحد مطلقاً ؛ حاول مصطفى تلخيص كلّ شيء لهاني بسرعة وأوضح له أنهما لا يجب أن يبتعدا عن المحمول لفترة طويلة لكي لا يثيرا شكوك المراقب فالمفترض أنهما يرقصان ووجّه هاني لأن يحمل دائماً ورقة وقلما ليتحدثا بالكتابة حينما تكون هواتفهم المحمولة أو أي هاتف محمول أو جهاز متصل بالانترنت من الممكن أن يلتقط بصمتهم الصوتيه قريباً منهم.

لا يمكن وصف دهشة هاني الذي لم تراوده ذره شكّ في حديث مصطفى فهو يعرفه جيداً وكانت ملامحه ونظراته تشع صدقاً وتأثرا بما يرويه ؛ يالسخرية القدر فهاني كان يظن أن حكايته غريبة بعد تعرفه إلى أحد الأشخاص الأثرياء أثناء عمله كنادل في الفندق وتطور العلاقة بينهما حتى أصبح ذراعه الأيمن وحقق له طفرة في حياته المادية لكونه ثريا جداً وسخيّاً جداً.

استشف مصطفى كون هاني يحاول إخفاء شيء ولا يريد إخباره بالمزيد من التفاصيل عن ذلك الصديق الثري لكن هاني أكد له  كونه ابن أحد الأعمال الأثرياء وله نشاطات متعددة وهو يعمل كمدير لأعماله ؛ لم يغيبا طويلا وعادا إلى طاولتهما وتحدثا في مواضيع عديدة بشكل طبيعي دون العودة لما تحدثا فيه كما اتفقا بالخارج؛ لكن هاني ظل شارداً وعيناه مليئتان بالإشفاق على صديقه الذي ألقت به الظروف في هذه المأساة ؛ لكنه لم يستطع أن يخبره بحقيقة مأساته فهو مدير أعمال وسيم رستم وأعمال وسيم رستم تتلخص في الاستمتاع بالحياة واصطياد الشباب لممارسة الشذوذ ؛ عمل في أسفل قاع الحقارة لكنه قبل به ليتخلص من دوامة الفقر والاكتئاب التي ابتلعته هو وعائلته منذ عقود؛ لم يكن يمارس الشذوذ مع وسيم ولم يطلب منه وسيم هذا أبداً فلم يكن من النوع الذي يعجبه كما كان حريصاً على إبقائه إلى جواره فكل الشباب الذين يمارسون الشذوذ معه يصابون بتأنيب الضمير ويبتعدون عنه في النهاية رغم سخائه معهم ؛ وهو يحتاج مرافقاً يساعده في اصطياد الشباب وإقناعهم وحمايته أحياناً دون أن يكون بمظهر الحارس الشخصي الذي يثير الخوف والتردد من التحدث معه من الأصل ؛ كان هاني يحتقر نفسه لكن الثراء الذي حلّ عليه من هذا العمل وتغييره لوضع أهله المتدني خدرا ضميره ؛ إن صدمه هاني بالمصيبة التي أحلت بمصطفى هونت عليه مصيبته.

 #مقطع 9

حضر إيهاب شقيق مصطفى من السويس لرؤيته مع زوجته وأبنائه كان هذا مدخلاً مثالياً لأمه لتحدثه في موضوع الزواج ؛ تهرب منها مصطفى متعللاً بظروف سفره التي تصعب زواجه (كانت أخاك سعيد يعود لزوجته شهراً كل عام في بداية زواجهما) لم يعرف مصطفى كيف يرد .. فشقيقه في النهاية اصطحب زوجته للعيش معه بالخارج وهو لن يستطيع اصطحاب أحد للمكان ولو بعد مئة عام ؛ كما أنه يحب ربوة .. بلا أمل ولكنه يحبها ؛ أنهى مصطفى حديثه مع أمه بوعده أن يفكر في الموضوع مستقبلاً ؛ هنا هاجمتهم أخبار الكارثة من شاشة التلفاز ؛ كارثة راح ضحيتها مئات الناس بسبب الإهمال لم تكن تلك الكارثة الأولى ولن تكون الأخيرة ؛ اشتعلت البرامج الحوارية وصفحات الجرائد والحوارات على المقاهي وفي المنتديات والمواقع الالكترونية وبات الحنق والسخط من هذا النظام وهذه الحكومة التي لا تساوي حياة الإنسان لديها شيئاً هو لسان الجميع ؛ مر يومان على وقوع الكارثة وفي نهاية اليوم الثاني انفجرت قنبلة أخرى في صفحات الصحف؛ القبض على شبكة دعارة تقودها الراقصة الشهيرة دوللي؛ تحجر مصطفى من هول المفاجأة فهو يعرف تفاصيل حياة دوللي عن ظهر قلب ويعرف المرأة جيداً بل هو يذكر حوار النصح الذي وجهته لصديقتها التي استشف مصطفى عملها بالدعارة ووضعها في تقريره ؛ ياللكارثة .. لقد كان السبب فهو من وجه أنظار المكان أن دوللي لديها صديقة تعمل في الدعارة وتتردد عليها بشكل شبه يومي وتصحبها فتاة أو اثنتين من رفيقاتها ؛ كان ما حدث مأساوياً لقد صعد رجال مباحث الآداب خلف صديقة دوللي التي صحبت فتاتين في ذلك اليوم ؛ كان كلام الضابط حازماً امر جميع النساء بخلع ملابسهن وصفع دوللي التي فكرت في رفع صوتها وتم لفهن بالملاءات البيضاء مع رجال صعدوا بصحبة شرطة الآداب ؛ قضية ملفقة لكنها شيقة إلى أبعد الحدود ومليئة بالتفاصيل المثيرة والشائعات التي تأكل وقت حديث الجميع ؛ نسيت الكارثة ونسى الضحايا وألقت دوللي في الحجز مخلفة وراءها عاصفة من الأخبار تشغل الجميع لفترة طويلة ؛ ظل مصطفى يخبط رأسه في الجدار بقسوة كان متأكدا من براءة دوللي بما لا يدع مجالاً للشكّ ؛ لقد أدرك أن النظام القذر الذي يراقب الناس لا يكتفي بالفضائح الحقيقية بل يلفق التهم إن استطاع ليصنع فضائحاً تلهي الرأي العام عن كوارثه وتلقيها في طي النسيان.

***

مرت بقية أيام الإجازة ومصطفى يرقد في قاع الحزن لم يبق إلا يومان ويعود إلى الجحيم؛ فكر في الهروب للحظتين ثم تبخرت الفكرة الغبية من ذهنه ؛ كانت جدران سجنه اللامرئية تحكم قبضتها على روحه .. هنا سطعت فكرة أخرى فهناك شخص يستطيع مصطفى إنقاذه ؛ أمسك بهاتفه المحمول واتصل بصديقه هاني وقال (أريد الذهاب للسينما).

***

لم يفهم هاني سبب دخولهم هذا الفيلم الدرامي الطويل لكنه كان يعرف أن مصطفى لديه غرض آخر غير مشاهدته رغم حديثه عن تشوقه لرؤيته ؛ فور دخول السينما وبدء الفيلم ناول مصطفى هاتفه المحمول لهاني وأشار له وضعه في جيبه ليصبح الصوت لدى المراقب مكتوما و ممتلئاً بصوت الفيلم المنبعث بقوة في شاشة السينما ؛ هرع مصطفى خارجاً من السينما وتاركاً هاني خلفه ؛ كان يعرف اسم المقهى الذي يرتاده حمدي سائق التاكسي وكان المقهى قريباً من قاعة العرض التي اختار الذهاب إليها والتوقيت هو وقت استراحته المعتاد ؛ لقد قرر محاولة إنقاذ حمدي من السجن لإتجاره في المخدرات فتعاطفه معه بلا حدود ولو كان في ظروفه لفعل مثله ؛ كان يعرف من عم فتحي أنه لن يقبض عليه إلا بعد أن يكشف للمراقبين تفاصيل العديدين من التجار والمتعاطين فحاول إنقاذه من السجن القادم لا محالة ؛ وصل مصطفى المقهى فلم يجد حمدي فجلس مفكراً في طريقة يبعده بها عن هاتفه المحمول وعن أي وسيلة اتصال أخرى عند مجيئه دون أن ينطق بكلمة واحدة ؛ استرعى انتباه مصطفى أحد الشباب الواقفين على الناصية فتفحصه فوجده لا يحمل هاتفاً محمولاً في يده أو في جراب حزامه كعادة الشباب في تلك الفترة فأشار للشاب للاقتراب منه وجلسا يتحدثا بأحد زوايا المقهى بصوت خفيض ثم ناوله مبلغاً مالياً جعل الشاب يبتسم بسعادة بالغة ثم يعود لوقوفه على الطرف المقابل من الشارع أمام المقهى؛ لم يظهر حمدي فسطع القلق البالغ على وجه مصطفى لكن مع مرور اللحظات البطيئة ظهرت سيارته وأوقفها أمام المقهى وفور هبوطه منها نظر مصطفى للشاب الذي تحدث معه ومنحه المال فاندفع مختطفاً هاتف حمدي المحمول وانطلق مبتعداً ليختفي في ثواني في أول حارة جانبية التي لا يمكن لحمدي أن يدخلها بالسيارة فصرخ حمدي (لص .. أمسكوا اللص) كان هذا كل ما يحتاجه مصطفى ليندفع محدثاً حمدي بعد أن سمع المراقب أن هاتفه المحمول قد سرق .. أما الشاب الذي اختطف المحمول فقد نفذ تعليمات مصطفى بدقة فصل عنه بطاريته وأخرج الشريحة وألقى بها في القمامة كانت صفقة مربحة جداً له هاتف محمول ومبلغ مالي محترم ووعد من مصطفى ألا يلاحقه صاحب المحمول؛ منع مصطفى حمدي من ملاحقة الشاب بسهولة بعد أن ناوله مبلغاً مالياً وقال (هذا ثمنه) وقف حمدي مكانه متحجرا يرمق مصطفى بنظرات الدهشة لكن الوقت لم يكن يسمح بهذا فالفيلم أوشك على الانتهاء في السينما فجذبه ليجلسا وشرح له بسرعة كل شيء لم يكن أمام حمدي سوى اتباع تعليمات مصطفى مع كم المعلومات والتفاصيل الدقيقة التي يعرفها عن حمدي والتي أقنعته بما يقول في دقائق معدودة ؛ استوعب حمدي موقفه بصعوبة وهو يستمع لتوجيهات مصطفى بأن يستخرج شريحة أخرى من هاتفه المحمول الذي سرق ؛ ثم يقوم بعمل حادث بسيط بالتاكسي يذهب للمستشفى لوضع جبيرة جبس بذراعه على إثرها فيغيب عن العمل لعدة أيام ويظهر أنه يشعر أنه مصاباً بالنحس بعد سرقه المحمول ثم إصابته في الحادث ومن ثم يقطع علاقته بتجارة المخدرات لقلقه البالغ بعد ما حدث له وهذا سيدفع المراقب لإعادته إلى المراقبة العادية ؛ دار جدال قصير حول ثمن الهاتف المحمول الذي وضعه مصطفى في يد حمدي كي لا يطارد السائق في أول لقائهما ؛ انتهى بقسم من مصطفى بعدم أخذ المال أعقبه حمدي بقسم مغلظ وأعاد المبلغ إلى جيب مصطفى الذي لم ينس قبل ذهابه أن يخبر حمدي ألا يتحدث بمعرفته بكونه مراقب مع أحد أبداً وأن يحرص ألا يظهر هذا في أي من تصرفاته وألا يغير أيا من عاداته وأخبره بوسائل المراقبة لكي يتجنبها حين يريد بعض الخصوصية ؛ ترك مصطفى حمدي بين شعوره العارم بقذارة النظام الذي يراقب حتى مهمش مثله وبين حمده لله على إنقاذه من براثن السجن المؤبد الذي كان سيئول إليه بشكل حتمي؛ وأشفق على مصطفى الذي سيعيش حياته بين براثن ذاك الوحش الذي يراقب الجميع.

***

انبعث صوت هاتف مصطفى المحمول معلناً  وصول السيارة التي ستقله إلى الجحيم فالمتصل معرّف على شاشة الهاتف بجملة “رقم خاص” دون إظهار أرقام ؛ ودّع والدته التي اعتصرها الأسى لتكرار فراقه وحملته فيضاً من الأدعية الدينية والآيات القرآنية لتحفظه في رحلته ؛ بمجرد استقلال مصطفى للسيارة سأل على العصير فابتسم الرجل الجالس بجوار السائق للمرة الأولى وناوله العلبة فاحتساها وأغمض عينيه كان ما فعله مع حمدي سائق التاكسي مريحاً لضميره لدرجة أنسته المخاطرة الكبيرة التي خاضها ؛ لكنه كان يدرك أن المراقبين ليسوا الله ليروا كلّ شيء ويعلموا كلّ شيء ؛ هم مجرد شياطين يسترقون السمع ويمكن تضليلهم وخداعهم .. رغم ذلك كان قلقاً جدا وخائفاً من فكرة افتضاح أمر ما فعله ، لكنّ نيته المخلصة طمأنته وحنينه لوجه ربوة الذي سيراه في الجحيم عند عودته سحبه لعالم خيالي من الأحلام الوردية التي لم تكن تكتمل أبداً وكأن الأحلام كانت ترفض أن تعطيه أملا وهميا أنهما سيعيشان سويًّا ؛ بخلاف المرة الأولى لوصوله للمكان أفاق مصطفى ليجد نفسه في حجرته ؛ كان يتمنى أن يفيق ويجد ربوة أمامه .. ولكن يبدو أنهم إطمأنوا لاحتماله للمخدر فوضعوه في حجرته وانصرفوا ؛ أشعل مصطفى لفافة تبغ وجلس يتفقد المكان وكأنه يراه للمرة الأولى (كيف يمكن للجحيم أن يكون جميلاً بهذا الشكل) قالها لنفسه ثم قام واتجه إلى المطعم بحثاً عن صهيب وأمجد وعم فتحي وبالتأكيد عن جنة الجحيم .. ربوة.

#مقطع 10

 

رياح الحزن كانت تعصف بملامح صهيب وأمجد وعم فتحي الجالسون في الكافتيريا في سكون؛ ظهر ذلك جليًّا في ترحيبهم الجامد بمصطفى (توفى شقيق صهيب في الكارثة) قالها أمجد فزرفت عين صهيب دمعة تركها تنساب على جبينه بلا مبالاة؛ صمتوا طويلاً حتى قطع صهيب الصمت قائلاً بسخرية (لكن قضية دوللي الراقصة غطت على الموضوع جيداً حتى دفن في أعماق الأرض؛نحن جهاز دفن كوراث النظام بفضائح المشاهير؛ وإن لم يجدوا فضيحة فلا مانع من أن يلفقوا واحدة) جذب عم فتحي صهيب ليبتعد به عنهم وأنّبه على ما قاله وأمعن في تهدئته بحنو أبوي في حين انفجرت جملة صهيب الأخيرة في عقل مصطفى فكيف علم صهيب بأن فضيحة دوللي ملفقة لابدّ وأنه المراقب الآخر لها.

لم تكن ربوة موجودة في المكان يوم وصول مصطفى كانت في أجازتها الأسبوعية فانتظر عودتها بفارغ الصبر وهو يتفقد تقارير أرسلتها له الإدارة تعبر عن ملاحظات المراقبين الآخرين للسبعة أشخاص الذين يراقبهم لتعوض له ما فاته من الأحداث سريعاً بدلاً من أن يغرق في تفقد أسبوعين من تسجيلات المراقبة؛ الراقصة دوللي كانت مختفية من التسجيلات فهى في إجراءات التحقيق والمحاكمة ؛ أما رئيس المباحث فلم يكن يحب عمله كمأمور للمركز في الصعيد فهو يعشق التحقيقات والتحريات لكنه كان منهمكاً في معاونة رجال أمن الدولة الذين احتلوا مركز الشرطة لمطاردة بعض الإرهابيين المختبئين في الصحراء المجاورة ؛ كان حانقاً من برودة مشاعرهم وآرائهم القاسية بخصوص الكارثة فقد أوكلوا الخطا على الضحايا بمنطق معكوس غاية في الإجحاف؛ أما المذيع شهاب فقد كان ينفذ تعليمات رجال أمن الدولة بحذافيرها في أول يومين من وقوع الكارثة يهاجم الحكومة بشدة ويلقي بأصابع الاتهام على الوزير ويلمح بمسئولية رئيس الوزراء وفي اليوم الثالث يتحدث عن الكارثة بشكل أقل في الوقت والسخونة ويبدأ في زرع الأعذار وإلقاء العبء على كاهلي القضاء والقدر ويبدأ في استضافة مواضيع ساخنة ويركز على فضيحة دوللي وفي اليوم الرابع يتحدث بشكل أقل عن الكارثة وأكثر عن فضيحة دوللي حتى تتلاشى الكارثة من البرنامج تماماً ومن أذهان الجميع ؛ فريدة الناشرة استاءت جداً من تلك الكارثة التي تجلت فيها براعة الإهمال الحكومي وظهر أن المواطن معدوم الثمن لدى النظام كانت ككل الكوارث؛ فغرق عبارة كان من المفروض أن تكهن من عقود كاحتراق قطار متهالك كموت مئات محاولي الهجرة في البحر كاحتراق مسرح حكومي بمن فيه ؛ كلها بسبب رئيسي واحد وتعطي نفس النتيجة ؛ كانت فريدة تتابع ما يحدث باهتمام من خلال القنوات الغير مصرية فهى تعرف ما ستئول إليه المتابعة من خلال القنوات المصرية كانت تفهم الإعلام جيّداً ؛ لكن رأي زوجها الوزير في ما حدث كان القشة التي أغرقت مركب علاقتهما الزوجية ؛ كان تبريره الذي انعدم منه الضمير أو حتى التعاطف مع الضحايا يظهر ما وصلت إليه شخصيته من تمرغ في محراب السلطة؛ اكتشفت فريدة أنها أصبحت تكرهه أو بالأحرى تكره ما أصبح رفيق دربها يمثله من تحجر للمشاعر في سبيل كراسي الحكم ؛ في ذلك اليوم طلبت منه فريدة أن يكف عن زيارة منزلهم وأنها سترسل له الأبناء بانتظام لزيارته بعد تحديد الموعد الذي يناسبه فقد أخبرها العديد من المقربين أن هناك أكثر من امرأة تتردد على فيلته الفاخرة.

ظلّ رجل الأعمال نخيلي يضحك طويلاً عندما صارحه أحد معاونيه بإشفاقه على صاحب الشركة التي تسببت في الكارثة لما سيحل به من عقاب وكان رد نخيلي أن لا شيء سيحدث له و أن كل التحقيقات والمحاكمات ستسفر إما عن براءته أو إلقاء اللوم على أحد أصغر الموظفين لديه ؛ فنخيلي يعرف صاحب الشركة ؛ إنه واحد من أكبر الحيتان في محيط المال وعلاقات النسب والقرابة تربطه بالكثيرين من أفراد النظام الحاكم لتمثل شبكة عنكبوتية من المستحيل أن تتركه يسقط في قاع العقاب ؛ أما ندى الناشطة السياسية فقد أعادتها الكارثة إلى كراهيتها الحقيقية لقسوة هذا النظام وتعاطفها مع الشعب وأدرك مصطفى هذا من حوارها الجانبي مع إحدى صديقاتها الذي ظلت تلعن فيه النظام الذي يقتل عمداً تارة و بالإهمال تارة أخرى ؛ لم يكن مصطفى يهتم بما تقوله في ظهوراتها الإعلامية فالمعارضة الدائمة هى كل ما تفعل وتلك فرصة ذهبية للحديث عن قبح النظام ؛ والحوارات المستترة هى التي تظهر الحقيقة في النفوس دائماً ؛ أما المهمش موظف السايبر فقد حزن لعدة دقائق ثم واصل حياته وكأن شيئاً لم يكن , كان يعرف جيداً أن الإنسان لا يساوي شيئاً في هذه البلد التي طالما تمنى الهجرة منها لكن ظروفه منعته ؛ الغريب أنه كان يسكت كل من يريدون الحديث في الموضوع داخل السايبر موضحاً أن كل ما سيقولونه بلا طائل أو فائدة و لن يجلب سوى الصداع لهم.

***

الرسالة التي تلقاها مصطفى من الإدارة لتعلنه بعودة حمدي سائق التاكسي إلى المراقبة العادية جعلته يطير فرحاً ويتراقص في غرفته بعد نجاح خطته التي نفذها حمدي بحذافيرها ؛ كانت الإدارة تطلب من مصطفى مراقبة حمدي كمهمش ثان مع حسين عامل السايبر فوافق مصطفى دون تفكير ؛ كانت سعادة مصطفى لا توصف لقد نجح في إنقاذ إنسان من براثن السجن وأشعره ذلك أنه استعاد شيئاً من حريته بالحرية التي شارك في منحها لحمدي سائق التاكسي؛لم يظل ذلك سبب سعادته الوحيد في هذا اليوم (عادت ربوة من الأجازة) قالها أمجد وهو يترقب ظهور السعادة على ملامح مصطفى بتخابث استشفه مصطفى من نظراته ؛ لقد كان أمجد سعيداً بقصة حب مصطفى وربوة فمن الرائع أن يرى شيئاً جميلاً في ذلك المكان القبيح.

***

تجمد الزمن وتوقف كل شيء على سطح الأرض في اللحظة التي تركت ربوة جسدها وروحها يرتميان بين ذراعي مصطفى داخل العيادة ؛ كانت تلك اللحظة قمة أمانيهما فلم يشغلا بالهما كثيراً بالتفكير فيما يمكن أن يحدث إن رآهما أحد (فلنستقيل من هنا ونتزوج) قالتها ربوة فأفاق مصطفى من فراش الأحلام المخملي الذي استلقى فوقه وهى بين ذراعيه (لن أستقيل) قالها بصعوبة مضاعفة فالمفروض أن يجيب لن أستطيع الاستقالة لكنه يعرف أنهم بلا شكّ مراقبون وهناك من سيستمع للحوار المسجل بعد قليل إن لم يكن يتابعه حالياً ؛ وما ضاعف الصعوبة على نفسه هو كون إجابته ستصيب ربوة بخيبة أمل كبيرة فمعناها أنه سيضحي بها من أجل وظيفته (لماذا .. ألا تحبني؟!) قالت ربوة كلماتها المرتعشة وهى تمسح دمعة فاجأتها كما فاجأها رد مصطفى الذي تلاها وحطم قلبها بكل قسوة (لا) خرج مندفعاً من العيادة ودموعه تنهمر من عينيه تاركاً خلفه ربوة تغرق في دوامة الحزن؛ أما هو فقد ظل نحيب قلبه ينهش روحه ؛ لم يستطع التركيز في عمله لعدة أيام منع نفسه فيها بصعوبة بالغة من المرور أمام العيادة لكي لا يلتقيها ؛ لكنّ ربوة لم تحتمل وانهارت أعصابها وفي حوار خاطف مع زياد صاحب الخطوات الواثقة طلبت الاستقالة فوافق دون أن يناقشها فقد أدرك جيداً أن كلّ الاحتياطات التي اتخذوها في المكان لم تمنع الحب من التسلل إليه ؛ لكن زياد تعلم الدرس وكان بديل ربوة رجل في الأربعين من العمر واتخذ قراراً بألا يوظف شابات مرة أخرى وخاصة الشابات غير المتزوجات ؛ لم يشعر بأي إشفاق عليهم أو تعاطف معهم على عكس أمجد وصهيب وعم فتحي الذين استقبلوا خبر رحيل ربوة كالمصيبة وجلسوا في حزن يتخيلون تأثيره الكارثي على مصطفى عندما يعرف الخبر.

***

حصلت الراقصة دوللي على البراءة من تهمة العمل في الدعارة؛ براءة كلفتها مئات الألوف من الجنيهات كأتعاب للمحامي الشهير الذي تولى قضيتها ؛ لكن المال لم يكن شيئاً مقابل إنقاذها من قبضة الفضيحة والسجن؛ لكنّ أخبار براءتها لم تبرءها لدى أحد فالكل علل البراءة بمهارة المحامي ذائع الصيت ؛ كانت قضيتها قد أدت دورها وسرقت أعين الرأي العام عن الكارثة ؛ شعر مصطفى بالسعادة لخروج دوللي من تلك الأزمة ؛ العجيب أنها ازدادت شهرة بعد الفضيحة وازداد الطلب عليها كثيراً وتلقت عدد كبيراً من العروض لبطولة الأعمال الفنية الأمر الذي دفعها إلى الحد من نشاطها بالعمل كراقصة والتركيز في التمثيل؛ لم يكن مصطفى يخرج من حجرته إلا لتناول الطعام وخالف مواعيده مع صهيب وأمجد وعم فتحي في الذهاب إلى المطعم ولم يذهب إلى الكافتيريا أو المركز الترفيهي أبداً .. كان يغرق نفسه بالعمل طوال اليوم حتى يسقط نائماً فالتفكير في ربوة كان يؤرقه إلى أبعد الحدود .

***

تعجب عم فتحي من فقدان الوزن الملحوظ والشحوب الذي أصاب وجنتي مصطفى عندما التقاه صدفة وهو في طريق عودته من المطعم ؛ حاول مصطفى التهرب من عم فتحي لكنه أصر على اصطحابه لحجرته وهناك صارحه مصطفى بما حدث بينه وبين ربوة؛ نكس عم فتحي رأسه في أسى فاشتعل القلق في جسد مصطفى وظلّ يلح على عم فتحي ليخبره بسبب صمته والحزن الذي خيم عليه (لقد استقالت ربوة ) قالها فتحي والدموع تنهمر من عينيه فاستقبل قلب مصطفى الجملة كسكين تشطر قالباً من الزبد ؛ لم يدر عم فتحي ماذا يفعل بعدما انفجرت ثورة مصطفى تحطم كلّ ما تطوله يداه وهو يلعن كلّ شيء ؛ استطاع عم فتحي باحتضانه لمصطفى أن يهديء من روعه قليلاً ويمنعه من تحطيم المزيد من الأشياء ؛ فتحول مصطفى للبكاء كالطفل المذعور بين ذراعيه ؛ كانت أول مرة يبكي فيها مصطفى بهذا الشكل لكنها لم تكن المرة الأخيرة بعد فراق ربوة .. كان في قمة الإحساس بالضياع وقلة الحيلة كان سجيناً أبدياً وعاشقاً مطعوناً بخناجر البعد المؤبد؛ والآن رحلت جنة الجحيم وبقى وحيداً في الجحيم.

 

# المقاطع من 11 إلى 15

الفصل الثالث

كَهَنةُ المعبدِ

وقف مصطفى بجوار أمه وشقيقيه أمام قبر والده في أجازته السنوية الثانية التي شملت أيام عيد الأضحى لقد منحه زياد شهرًا كاملًا من الأجازة وخمسين ألفًا من الجنيهات في عامه الثاني فقد كان مصطفى الغارق في الحزن بارعًا في عمله كمراقب وملاحظاته دقيقة إلى أبعد الحدود؛ كان مصطفى يحاول الإتقان في عمله لمد أيام الأجازة التي تبعده عن الجحيم، لكنه أصبح حريصًا على عدم وضع ملاحظات تضع الأشخاص المراقبين خلف جدران السجون قدر الإمكان (لماذا لم تهاجر يا والدي .. ما الذي جعلك تعيش حياتك بأكملها في هذا البلد وتدفن تحت ترابه)، قالها مصطفى محدثًا والده الراقد تحت التراب فربتت والدته على كتفه وقالت: (هذا وطننا يا ولدي .. لمن نتركه وقد خلقنا من طينه)، أما شقيقاه فقد كانا يعيان ما قاله مصطفى جيدًا فالشقيق الأكبر مغترب لقرابة العشرين عامًا والأوسط كان سيغترب لولا الظروف المادية المتيسرة لوالد زوجته ومصطفى مغترب منذ عامين.

أصبحت كل الأجازات متشابهة .. لقاءات بين مصطفى وصديقه هاني ومحاولات من الأم لإقناع مصطفى بالزواج قابلها بالرفض الدائم ثم اضطر للكذب عليها بإخباره أنه يفكر في الزواج من فتاة ألمانية ستساعده في حصولهعلى الإقامة الدائمة هناك؛ فتوقفت أمه عن إلحاحها في أمر زواجه خوفًا من أن يتزوجها فقد كانت الفكرة مخالفة لصورة الزوجة التي تتمناها لابنها؛ حاول مصطفى البحث عن ربوة في أجازاته لكنه فشل في كل المحاولات فكأنها تبخرت ولم يكن لديه معلومات كافية عنها فيئس من إيجادها مرة أخرى وحتى إن وجدها فمن المؤكد أنها أصبحت من الأشخاص المراقبين لكونها عملت لفترة في المكان وغادرته.

***

(تسع أعوام في الجحيم) قالها مصطفى لعم فتحي الذي تجاوز الستين من العمر واحتلَّ الشيب رأسه بالكامل؛ واصل عم فتحي تناول طعام الغداء دون أن يرد على مصطفى ثم قال هامسًا: (أتظنهم سيحيلونني إلى التقاعد إن تدهورت صحتي أم سيكتفون بمنحي رصاصة الرحمة كالحصان العجوز)، فجَّر كلام  فتحي ملايين الأفكار السوداوية في ذهن مصطفى الذي رأي مصيره المظلم متجسدًا في عم فتحي؛ لقد قارب مصطفى الأربعين من العمر وكل ما يعرفه أن عمله في المكان مدى الحياة كما أخبره صاحب الخطوات الواثقة حين أبرم معه الصفقة التي أنقذته من حبل المشنقة أو السجن المؤبد؛ وصل صهيب وجلس معهم ليتناول غداءه كان تغير كثيرًا بعد وفاة شقيقه في الكارثة؛ أصبح هادئًا ولم يعد مرحًا وفكاهيًّا كعادته وتدهورت حالته الصحية بلا سبب معروف، وأوعز الأطباء ذلك إلى حالته النفسية فهو لا يعاني من أي مرض عضوي؛ أما أمجد فكان آخر الواصلين إلى المطعم وأول وآخر حانق على المكان بشكل علني فقد وقف ذات يوم في المطعم يلعن النظام الحاكم بعد تكرار الكوارث والفضائح التي تسرب للإعلام لشغل الرأي العام؛ لكن صداقته القديمة بزياد جعلته يكتفي بتوبيخ أمجد فأطبق شفتيه ولم يكرر تذمره العلني؛ كان زياد ترقى في المناصب حتى وصل لدرجة مدير المكان وحلَّ محله في متابعة الأفراد “عمرو” الذي لم يكن يختلف عنه كثيرًا سوى في كونه سريع الغضب على خلاف زياد الذي كان هاديء الأعصاب دائمًا.

اتجه مصطفى لمكتب زياد الجديد في الدور العاشر تحت مستوى الأرض؛ بعد استدعاءه له .. كان مكتبًا ضخمًا جدًا وتتوفر فيه إمكانات وأجهزة غاية في التطور تفوق مكتبه القديم وتفوق الخيال؛ سبب الاستدعاء هو النقاش حول موضوع توريث الحكم وما رؤية مصطفى لها وما الطرق التي يجب أن تستخدم للترويج لها؛ كانت خبرة مصطفى وأغلب المراقبين القدامى كبيرة في معرفة طريقة تفكير الشعب وبالتالي طرق توجيهه نحو أمر ما؛ ومنذ تولى زياد إدارة المكان أصبح يستعين بهم بحكم خبرتهم الكبيرة: (الشعب لا يهتم .. وسيقول جملته المعتادة .. من نعرف أفضل ممن لا نعرف)، كان رد مصطفى دقيقًاويوحي بفهمه الكبير للشعب؛ ابتسم زياد فأضاف مصطفى جُمَلًا بددت ابتسامته وحلَّ مكانها قلق كبير: (لكنْ كلَّ المثقفين والنشطاء السياسيين يرفضون التوريث .. وسيؤثرون علىبقية الشعب إن اتيحت لهم الفرصة)، قَطَّب زياد حاجبيه مفكرًا ثم سأل مصطفى: (وماذا عن رجال الأعمال في رأيك؟)، انفجر مصطفى ضاحكًا ثم اعتذر لزياد بسرعة ففهم رأيه وأشار له بالانصراف وهو يبتسم فبالطبع رجال الأعمال الذين يقتسمون كعكة المصالح يريدون استمرار نفس النظام ونفس الأساليب القديمة في كل شيئ وأكثر ما سيضمن ذلك هو التوريث.

***

لم تتغير مباديء العميد أحمد طوبار رئيس مباحث العباسية الأسبق ومأمور المركز النائي بالصعيد منذ أكثر من ثمانية أعوام؛ وكما لم تتغير مبادؤه فلم يتغير موقعه بحركة التنقلات حتى علم بترقية أحد رؤسائه السابقين والذي تربطه به علاقة صداقة قوية لدرجة مساعد وزير فقرر أن يطلب منه مساعدته؛ تعجب مساعد الوزير من إلقاء كفاءة كأحمد في غياهب الصعيد ووعده بتغيير ذلك؛لم يعترض زياد على نقل طوبار المراقب حين استشاره الجهاز الأمني فجميع تقارير المراقبة تؤكد عدم اهتمامه بالسياسة وقد روقب من الأصل بسبب بحثه في موضوع مصطفى ليس إلاوهو أمر أكله غبار الزمن  .. ولا يوجد داع لتنحية الرجل عن القاهرة أكثر من هذا وبالفعل أُدرج اسمه في حركة التنقلات أخيرًا وعاد ليعمل في إدارة المباحث بمديرية أمن القاهرة كنائبلرئيسها؛ ودّع أهالي المركز النائي أحمد بحزن كبير لرحيله فقد كانوا يحبونه ويقدرونه كثيرًا فهو سبب حقن دماء الكثيرين منهم بعد إخماده لنيران الثأر بين العائلات كما أنه كان رجلًا محترمًا ونزيهًا يعامل الجميع باحترام وودٍّ؛ تلقى مصطفى خبر نقل الرجل بسعادة  كبيرة فقد أزيح الظلم أخيرًا عن ذلك الرجل الطيب؛ ولم تمض أسابيع قليلة حتى ترقى أحمد لدرجة رئيس مباحث العاصمة ليس بفضل اجتهاده وذكائه الشديدين فقط بل لاحتياج مديره لإجراء عملية قلب مفتوح استدعت طلبه لأجازة طويلة؛ أخيرًا لعبت الظروف لصالح أحمد طوبار وعاد لعمله في المباحث الذي كان يفتقده بشده لكنه الآن رئيس مباحث العاصمة كلها.

***

مع اقترابها من الخمسين اعتزلت دوللي الرقص تمامًا دون إعلان الأمر وانشغلت بالتمثيل؛ ظلَّت طوال السنوات التسع ترفض الزواج من أحد فتجاربها المريرة أصابتها بعقدة نفسية منه؛ وسمعتها التي دمرت بسبب اتهامها في قضية الدعارة لم تتعافى بعد برائتها فكان كل من يتقدمون لها إما من الطامعين في ثروتها وعلاقاتها ويتغاضون عن سمعتها وإما من المقتنعين ببرائتها ولكنهم يفضلون إبقاء زواجهم بها سرًّا لتجنب تشويه سمعتهم مرتين مرة للزواج براقصة والثانية لكونها متهمة سابقة في قضية دعارة ففضلت الحياة بلا زواج؛ كان قرار توقفها عن الرقص يشعرها بالراحة النفسية ولهذا توترت كثيرًا عندما طلبها مدير مكتب الوزير زوج الناشرة فريدة لإحياء حفل زفاف نجلهما الأكبر على نجلة أحد الكتاب من معارف أمه؛ كان الوزير غاضبًا لكون الابن لم يستمع لنصحه بتزويجه من ابنة أحد كبار رجال الأعمال ليستفيد من زواج سلطته كوزير لأكثر من عشرة أعوام برأسماليّ كبير؛ لكنه في النهاية رضخ لرغبة الابن الذي كان يفكر بنفس طريقة أمه من وجهة نظر أبيه الوزير؛ كانت العلاقة بينه وبين فريدة قد ماتت منذ أمد بعيد لكنَّهما وقفا كزوجين سعيدين أمام المدعوين في زفاف ابنهما كان هذا اتفاقهما زواج سعيد أمام الناس وقطيعة  كاملة في السر؛ كان استمرارها في تأدية دور زوجة الوزير يوفر لها حماية من النظام في عملها كناشرة ويمنحها بعض الحرية في النشر دون العراقيل والمضايقات المعتادة للناشرين وكانت توفر للوزير هيئة الرجل المستقر في حياته الزوجية؛  وافقت دوللي على الرقص ثانية وإحياء الفرح فلا طاقة لها برفض طلب لأحد رجال النظام النافذين لكنها كانت تشعر بمرارة التعري مجبرة في تلك المرة؛ تكرر لقاء عدد كبير ممن يراقبهم مصطفى؛  فقد حضر شهاب المذيع الذي أصبح أهم المحاوريين التلفزيونيين في البلد لكن الخلافات الدائمة بينه وبين زوجته سهى والتي وصلت لحد طلبها للطلاق جعلته يحضر وحده؛ لقد علم بعلاقتها القوية برجل آخر والتي وصلت للقائهما في رحلة لعدة أيام بشرم الشيخ كانت فيها سهى مع بضع صديقاتها فدعت الرجل الآخر لينضم إليهم؛ بررت سهى العلاقة بكونها صداقة بريئة لكن شهاب رفض ذلك التعريف وأنكر وجوده بهذا الشكل بين الرجل والمرأة وهنا انفجرت سهى في وجهه كالقنبلة وهى تنتقده فكيف يقبل بزواج المثليين ويشفق على صديقه وسيم رستم لعدم قدرته على الزواج من رجل مثله ويرفض الصداقة بينها وبين رجل؛ حاول المحاور اللامع التبرير لكن سهى لم تقتنع؛ كانت ملت تناقضاته والازدواجية الرهيبة في أفكاره؛ كالمعتاد حضرت ندى حفل الزفاف لقد أصبحت نائبة لرئيس الحزب وكونها من المعارضة لا يتعارض مطلقًا مع كونها من الشخصيات الرئيسة في لعبة السياسة؛ هى لم تتزوج رغم وصولها لمنتصف الثلاثين من العمر ومستواها المادي الذي كاد يصل لحد الرفاهية في المعيشة؛ ربما كان السبب كونها شعلة نشاط متقدة وانشغالها الدائم بعملها وربما كانت مضايقات السلطة المستمرة لها وطبيعة عملها كمعارضة سياسية أدت لعزوف الكثيرين عنها؛ حضر نخيلي رجل الأعمال برفقة نسيبه رجل النظام الذي أصبح يتحكم في كلّ شيء؛ كان تلاقي هؤلاء الأشخاص معتادًا لمصطفى في مثل تلك المناسبات لكنَّ حضور رئيس مباحث العاصمة  كان جديدًا على مصطفى وجديدًا على أحمد طوبار نفسه بعدما أكلته شمس الصعيد لسنوات طويلة ولم يتخيل ذات يوم أن يدعى لأفراح صفوة القوم؛ ربما كانت الدعوة المكتوب فيها السيد رئيس مباحث العاصمة موجهة لشخص مَن سبقه في المنصب لكنه قرر الذهاب على أي حال ليرى بعينيه كيف أصبحت تعيش هذه الطبقة؛ تعجب من البذخ الذي يطلُّ في كل شيء حوله في ظلِّ الفقر الذي يعتصر الناس في حواري العاصمة وقرى الصعيد؛ لكنه مَثَّل الاستمتاع بليلته وهو يشاهد ما يحدث حوله في صمت؛ ورغم مرور قرابة الأعوام العشر كان حال المهمشين حمدي سائق التاكسيوحسين عامل السايبر كما هو كجبل ثابت في مكانه لا تهزه الرياح لكنَّ حمدي كان مضطربًا جدًا لكونه يعلم أنه مراقب رغم كونه كان يتعامل مع تلك الحقيقة بحس الفكاهة في بعض الأحيان.

***

استمر صهيب في التردد على الحانات واحتساء الخمور طول أيام أجازته؛ لكن إفراطه في السهر والسكر مع صحته المتدنية أودعاه بطواريء أحد المستشفيات الخاصة في المهندسين لإفراطه في احتساء الخمور الذي عرضه للضرب المبرح؛ هناك رآي ربوة التي لم تتعرف عليه في البداية لكنه ذكرها بنفسه فوجدت نفسها تقول دون وعي: (كيف حال مصطفى؟)، لحسن الحظ كان هاتف صهيب مع صديقه الذي أودعه بالطواريء وكانت ربوة تترك هاتفها المحمول في درج مكتبها عند تفقدها للمرضى؛ لذا فلم يعلم مراقبا صهيب وربوة بصدفة لقائهما؛ لكن مصطفى علم باللقاء وما دار فيه.

***

قرأ مصطفى عيني صهيب بعد عودته من الأجازة وأدرك أن هناك أمرًا ما يريد أن يخبره به فاصطحبه إلى حجرة أمجد واتبعا الأسلوب الذي ابتكره مصطفى لتلافي المراقبة عند الحديث عن شيء مهم .. الكتابة.. كانت الأوراق والأقلام غير متاحة لهم في المكان لكون كل شيء في عملهم يتم من خلال الحاسب الآلي؛ لكن أمجد صديق زياد القديم حصل على بعض الأوراق والأقلام ليمارس عادته القديمة في كتابة الشعر؛ فباتوا يستخدمونها في الحوارات التي لا يرغبون أن يسمعها المراقبون ويمعنون في تقطيعها وإحراقها بعد الانتهاء وكأنهم يعملون في الجاسوسية: (أنا لا أستطيع وصف ما أشعر به الآن)، كتبها مصطفى لصهيب الذي انتهى من كتابة ما دار بينه وبين ربوة في لقائهم الخاطف؛ كانت تزوجت لأقل من عام ثم حصلت على لقب مطلقة فحبها العميق لمصطفى لم يمنح زوجها فرصة الوصول لقلبها فانفصلا في هدوء بعد اكتشافه استخدامها موانع الحمل سرًّا؛ منحت ربوة لصهيب رقم هاتفها المحمول الذي يعرف صهيب أنه مراقب ولن يستطيع مصطفى استخدامه للاتصال بها فاستفسر منها صهيب على المواعيد الأكيدة لتواجدها بالمستشفى وأخبرته بها: (أخيرًا أفادنا سكرك بشيء .. فهو الذي أودعك الطواريء.. وجعلك تلتقي بربوة)، كتبها أمجد لصهيب ومصطفى فضحكا للدعابةواحرقوا دليل حوارهم .. الأوراق.

***

لم يشعر مصطفى ببطء مرور الوقت في انتظار الأجازة السنوية مثلما أحس هذه المرة؛ كان السبب تعجله لرؤية ربوة بعدما رُسمت خطة الهرب من المراقبة ليلقاها في ذهنه بسرعة جنونية أوجدها حنينه الجارف للقاء حب حياته؛ لكن صوتًا فاجأه وهو يستمع لحوار المذيع شهاب مع صديقه وسيم رستم والذي كان يشرح فيه شهاب أسباب الطلاق المتوقع؛ كان الصوت الذي فاجأ مصطفى هو صوت هاني صديقه المقرب والذي كانت أذناه تحفظ بصمته عن ظهر قلب؛ كان إخفاء هاني لطبيعة عمله مع وسيم حتميًّا من وجهة نظره لكي يتفادى احتقار صديقه المقرب له أو حتى تأنيبه على قيامه بمثل هذا العمل المشين؛ لكن معظم الأسرار لا تظل أسرارًا للأبد .. لقد أصبح هاني صديق وسيم وليس فقط معاون له وأصبح يثق به إلى أبعد الحدود ويصحبه لكل مكان بعد مرور عشرة أعوام على عمله معه وهكذا اكتشف مصطفى علاقتهما: (ماذا يفعل هاني مع هذا الشاذ؟)، قالها مصطفى لنفسه وهو يحاول إيجاد تفسير للعلاقة التي بدت قوية جدًا بين وسيم وهاني لدرجة أنه بدأ يشك في أن هذا الصوت لصديقه؛ ولكون وسيم كان ينادي صاحب الصوت: (يا مان) حاول مصطفى لعدة أيام تتبع شهاب بشكل حي وليس مسجلًا حتى التقى بوسيم مرة أخرى وكان صوت هاني موجودًا فاتصل برقم صديقه وكانت المفاجأة في سماعه لرنين هاتف هاني المحمول الذي يعرفه مصطفى جيدًا؛ بالطبع لم يقل مصطفى شيئًا لهاني عن الموضوع فمكالمتهما مراقبة واطمأن عليه وأغلق الخط لكنَّ هذا الأمر زاد من حدة ترقب مصطفى للعودة إلى القاهرة.

***

اهتم مصطفى في لقائه بهاني بأن يشرح له خطة مقابلته بربوة فلم يكن مصطفى يغيب عن المراقبة لوقت طويل حتى مع أفضل الحجج لكي لا يثير شك مراقبه؛ كانت الخطة بسيطة سينتظر حتى يأتي موعدنومه المعتاد ثم يترك المحمول في المنزل بجوار خلفية صوت نومه التي سجلها من اليوم السابق مع مراعاة أن يكون الهاتف تحت المخدة ليكون الصوت مكتومًا ولا يميز المراقب كونه مسجلًا؛ مصطفى يعرف أن ربوة تعمل في الوردية المسائية لهذه الليلة ويعلم من صهيب أنها لا تحمل هاتفها المحمول عند معاينة المرضى فدخل إلى قسم الطواريء وظل يتلفت ليراها فلم يجدها؛ ظنَّ أنها تغيبت لأي سبب وهمَّ بالانصراف فوجدها تخرج من أحد الأبواب ممسكة بهاتفها المحمول وتجري مكالمة مع والدتها؛ كادت شفتا ربوة التي وقفت متحجرة أن تنطق باسمه لكنه أشار لها بالصمت بحزم واقترب منها ووجهها لدخول مكتبها وإنهاء المكالمة وترك المحمول والسير معه خارج المستشفى؛ ظلت ربوة تسير مع مصطفى وهي لا تدري سر ما يفعله حتى وصلا لسيارة هاني الذي كان غافيًاوأفاق بمجيئهما؛ كانت أعين مصطفى وربوة مليئة بالكلمات التي تنتظر النطق بها فغادر هاني السيارة بلطف بعد أن رحب بربوة وتركها غارقة في دهشتها: (أنا أفتقدكِ جدًا) قالها مصطفى لربوة وانتظر أن ترد عليه بـ :(وأنا أيضًا) لكنه تلقى صفعة قوية من ربوة التي انهارت تمامًا ودخلت في حالة هيستيرية وأجهشت أعينها بالبكاء ثم قالت بعد أن حاولت تمالك أعصابها: (أتتركني لعشر سنوات أعيش في هذا العذاب؛ ثم تعود لتتعامل كرجال العصابات وتخرجني بهذاالشكل من المستشفى وتقول لي لقد افتقدتكِ أيها المجنون)، تفرس مصطفى في ملامح ربوة وتحسس موضع الصفعة التي شعر أنه استحقها بجدارة ثم ابتسم ابتسامة جعلت ربوة تبتسم وتحتضن ملامحه بعينيها وهنا أخبرها بكلِّ شيء.

كانت عدوى السعادة قد انتقلت لهاني عن طريق مصطفى الجالس بجواره في السيارة المتجه لمنزل الأخير؛ لقد اتفق مصطفى مع ربوة التي كانت ما زالت تحت تأثير الصدمة على أن تدعي المرض في اليوم التالي وتصف أعراض صداع مزمن للطبيب فيوجهها إلى عدم استخدام المحمول لفترة لكي تبتعد عن موجاته وبالتالي عن المراقبة الملتصقة بها طوال اليوم؛ كانت فكرة ستنجح لفترة مؤقتة وهى كل ما يلزمهما للقاءتهما خلال أجازته؛ كم كانت لحظات اللقاء بعد كل هذا الفراق جميلة؛ لقد شعر مصطفى أن روحيهما تذوبان معًالكن فكرة علاقة هاني بوسيم رستم أخرجت مصطفى من جمال تأمل ذكرى لحظات لقاءه بربوة في خياله ليسأله: (قل لي يا أستاذ .. ما علاقتك بوسيم رستم؟)، وقع السؤال على هاني كجدار ثقيل ينهار فوقه فبعدما أخفى حقيقة عملهكنخاس لحساب وسيم رستم الشاذ عن مصطفى طوال سنوات جاءت اللحظة التي علم فيها فسأله هاني: (أهو مراقب؟)، تعجب مصطفى من الرد وقال: (بل شهاب المذيع)، يتنفس هاني الصعداء لكون مصطفى لم يعرف بعد، لكنه وجدها اللحظة المناسبة ليلقي هذا السرَّ في بئر صديقه المقرب فقال: (أنا مدير أعماله)، يندهش مصطفى ويقول (أهذا هو الرجل الذي تعمل معه .. أي أعمال له .. إنه ثري يستمتع بأمواله ويمارس الـ..)، يقاطعه هاني فجأة ويقول بصوت رخيم يتخلله حزن عميق: (الشذوذ .. أعرف .. أعماله هى ممارسة الشذوذ .. وأنا أديرها)، الصدمة لم تجعل مصطفى ينطق أو يعقب على كلام هاني الذي أحس أن صمت مصطفى هو قرار إدانة لما يفعله فينفجر قائلًا والدموع تترقرق في عينيه: (أنا مرغم .. أنا مرغم .. أنا مرغم)، ينفعل مصطفى بدوره ويعلو صوته وهو يقول: (وما الذي يرغمك على شيء حقير كهذا؟)، يوقف هاني السيارة ويحاول أن يهدأ نفسه ويقول: (وأنت ما يرغمك على مراقبة الناس .. أتستطيع أن تحدد أيهما أحقر ما تفعله أم ما أفعله؟)، تتسع حدقتا مصطفى بعد أن تحولت أصابع الاتهام فجأة إليه ويقول: (أنا مرغم .. أنا في سجن)، يقول هاني: (أنت في سجن بلا سجان ولا قيود ولا جدران ولا أسوار ومع ذلك أنت سجين؛ ..    وأنا مرغم بلا مسدس موجّهٍ إلى رأسي ولا تهديد من أحد ومع ذلك أنا مضطر لفعل هذا .. قل لي بالله عليك ألستُ مرغمًا مثلك .. ألستُ أكره نفسي وأحتقر ما أفعله إلى أبعد الحدود .. ألستَ أنت كذلك .. لقد وقعنا في خيوط نفس العنكبوت الضخم الذي يسيطر على كل شيء ويحرك الجميع كيف يشاء).

لم يكن هاني يحاول الدفاع عن نفسه أمام مصطفى بقدر ما كان يقول لنفسه بصوت مرتفع  أنه ليس مجرمًا وليس مسئولًا عن ما هو فيه؛ كانت أعينهما قد غمرت بالدموع فسحب مصطفى بعض المناديل الورقية وناولها لهاني؛ لكن هاني المنهار رفض الإمساك بها فاحتضنه مصطفى بقوة وربت على كتفه وقال: (نعم يا صديقي .. لقد وقعنا في شبكة عنكبوت واحدة).

بعد لحظات أدار هاني محرك سيارته وانطلق بها وهو صامت لكنه حاول بعد قليل أن يزيح الكآبة التي سيطرت عليهما وسط سعادة مصطفى بلقاء ربوة فقال: (بما أننا في شبكة عنكبوت .. أنحن ذباب أم نمل؟)، انفجر مصطفى ضاحكًا وهو يقول: (نحن أتفه من هذا يا صديقي ..  أظننا مجرد هاموش).

***

كان الزواج العرفي هو الحل الأمثل والوحيد أمام مصطفى وربوة؛ كلمح البصر مرت أيام الأجازةوهما غارقان في السعادة حتى أذنيهما؛ بقت أيام قليلة ويعود مصطفى إلى الجحيم تاركًا جنته ربوة وحيدة؛ تعرف أنها مراقبة وأنه يقبع في الجحيم هناك؛ كانت الأفكار تعصف بوجدانه فلن تتمكن زوجته من لقاء أمه أو أهله أبدًا ولن يستطيع التعرف بأهلها كزوج لها أو الإنجاب منها؛ مصير مظلم لعلاقتهما فلن تستطيع تكرار نفس حجة الابتعاد عن هاتفها المحمول بسبب الصداع طويلًا وإلا أثارت شكوك مراقبيها؛ كان زواجهما أروع من أن يتخلى عنه فهو أعظم الأحلام التي تجسدت على أرض الواقع بالنسبة له؛ ظلَّ مصطفى يحدقفي سقف حجرته طويلًا وفي تلك الليلة لم يذهب للقاء ربوة  كعادته بعد إيهام المراقب بنومه؛ كانت لديه مهمة أخرى هي .. اللقاء برئيس مباحث العاصمة.

***

مصطفى كمراقب يحفظ جميع تحركات وعادات أحمد طوبار رئيس مباحث العاصمة لهذا لم يكن صعبًا عليه اختيار المكان والزمان؛ كان معتادًا منذ عاد للقاهرة الذهاب إلى الحسين مع أسرته في سهرة الخميس؛ يصلي ركعتين ويقرأ الفاتحة أمام الضريح  ثم يتناول عشاءه بأحد المطاعم ويمضي ساعتين بأحد المقاهي الساهرة للصباح؛ كانت عادة طوبار ترك هاتفه المحمول عند ذهابه للوضوء ثم الصلاة وتلك كانت فرصة مصطفى الوحيدة في تلك الأجازة أي أنها إن فاتته فسينتظر لعام آخر؛ كان لقاءهما أمام الضريح النحاسي الأصفر الذي تشع منه الأنوار الخضراء: (أنا  أعرفك) قالها طوبار الذي غطس في أعماق ذاكرته محاولًا تذكر شخصية مصطفى بعدما اقترب منه وألقى التحية ثم وقف ليقرأ الفاتحة في هدوء كان وجه مصطفى محفورًا في ذاكرة رئيس المباحث رغم رؤيته لآلاف الوجوه شهريًّا وهذا ما أثار ذاكرة طوبار: (أنا مصطفى الذي جئتك متهمًا بالقتل في قسم العباسية منذ عشر سنوات .. ليس لدينا الكثير من الوقت فأنت مراقب وأنا كذلك)، حاول طوبار استيعاب ما قاله مصطفى بصعوبة فأجلسه مصطفى بجوار الضريح وقص له كلَّ شيءٍ؛ وكما حدث مع حمدي سائق التاكسي كانت التفاصيل الدقيقة التي لا يعرفها أحد سوى طوبار هي وسيلة الإقناع الفورية والمانعة لأي شكٍّ في كلام مصطفى الذي كان مشابهًا لهمس الداعين بجوار الضريح وأنهاه بقوله: (لن تستطيع فعل شيء حيال ما أخبرتك به .. نحن مجرد عقلتي إصبع ولا يمكننا مواجة عمالقة الشر .. لقد أعلمتك بأنك مراقب وهذا سيجنبك العديد من المشكلات وأخبرتك بالطرق التي يمكنك تخطي المراقبة بها دون إثارة الشكوك؛ وردِّ الجميل لي هو أن تثبت براءتي).

حاول رئيس المباحث استيعاب الصدمة لعدة أيام عاد فيها مصطفى إلى الجحيم بعد أن ودع ربوةوأمه التي تدهورت صحتها لتمنحه المزيد من الضغوط النفسية عند رحيله؛ لكنه على خلاف كل المرات السابقة قرر أن يعرف أين يقع مكان الجحيم الذي أسكنه فيه زياد صاحب الخطوات الواثقة.

نجح العقار الذي جلبه هاني من صديقه الكيميائي في إبطال مفعول المنوم أثناء نقل مصطفى فسمع الحوار الدائر بين السائق والرجل الجالس بجواره لأول مرة من عشر سنوات؛ كان صمتهما الدائم حرصًا من إدارة المكان على إخفاء بساطة تفكيرهما ومنحهما مظهر الغموض فلم يكونا سوى شخصين بسيطين لا حيلة لهما ينفذان التعليمات بحذافيرها؛ وأخيرًا علم مصطفى موقع المكان الذي كان في قلب الصحراء الغربية على بعد عدة كيلومترات من شواطيء الساحل الشمالي؛ كانت البوابة الرئيسية تشير لكون المكان أحد مزارع منتجات الألبان الكبرى كغطاء خارجي للمكان؛ تعجب مصطفى من كون السيارة اتجهت لمبنى لم يره من قبل على بعد كيلومترات من المكان؛ سلمه السائق والرجل لعدة رجال وضعاه على نقالة كالمستخدمة في المستشفيات واستقلا مصعدًا يسير تحت الأرض عرضيًا وصل به للطابق الخامس تحت مستوى الأرض في المكان؛ هنا علم مصطفى كيف لا يرى أيًّا من المراقبين الموظفين الإداريين وهم يحضرون أو يغادرون فلهم مدخل ومخرج مختلف؛ كان مصطفى يسرق النظرات أثناء نقله ففوجيء بضخامة الطابق الخامس تحت مستوى الأرض وعدد الموظفين الذين لم ير أحدًا منهم مطلقًا في المكان؛ أدخله الرجال مصعدًا يقله إلى طابق غرفته لكن بابه كان بداخل غرفة وليس في رواق الطابق وهنا علم مصطفى كيف ينقل الجميع إلى غرفهم دون أن يشعر أحد فالنقل لا يتم بالمصاعد المعتادة ولا يمر المنقول إلا بالرواق للحظات خاطفة كانت تتم بحرص شديد؛ فمن يديرون المكان كانوا يمعنون في إضفاء الغموض على كلِّشيء ليشعر الجميع بالتضائل دائمًا فالكلُّ يجهل كلَّ شيء ويُحَرَككأتفه بيدق في رقعة الشطرنج .. دون أي إرادة.

***

ألهمت محاولات مصطفى اليائسة للخلاص مما هو فيه صديقه هاني حيث وجد أنه يستطيع إنهاء تأنيب ضميره والخلاص مما انغمس فيه من نخاسة بطريقة أسهل بكثير وبتضحية ومخاطر أقل مما سيقدم مصطفى إن حاول أن يفعل مثله؛ كانت المواجهة مع وسيم رستم باردة فقد تعجب من تخليه عن كلِّ ما يقدمه له من عطايا ومميزات وحياة في المجتمعات الراقية مقابل بعض الرفقة والخدمات البسيطة (ألف يتمنون مكانك .. آلاف .. ملايين)، قالها وسيم بتعجرف في حين كانت عينه تحاول استعطاف هاني ليعدل عن قراره وحين أبصر التصميم داخل عيني هاني جلس منهارًا وبدأ في التوسل له: (كيف تتركني بعد كل هذه السنوات .. أنت صديقي .. أنا أحتاجك)، أحس هاني بالشفقة تجاه وسيم الذي كان كريمًا معه لسنوات طويلة فقال: (لقد بحثت على شبكة الانترنت  .. هناك وسائل تساعد في علاجك .. حتى وإن كان لديك خلل جيني .. هى مكلفة وغير مضمونة النتائج .. ولكن المحاولة تستحق)،تتسلل دمعة باردة من عيني وسيم وهو يقول: (لا شيء يتغير .. انظر حولك أهناك شيء تغير منذ ولادتنا)، يخرج هاني مفتاح السيارة الفارهة من سلسلة مفاتيحه ويناوله لوسيم فيرفضه ويقول: (احتفظ بها .. إذهب لمكتب المحامي وسيقوم بإجراءات نقل ملكيتها بإسمك؛ لقد رافقتني لعشر سنوات وهذا أقل ما أقدمه لك .. لم تكن السيارة بإسمي إلا لخوفي من أن ترحل وتتركني .. وحيث أنك راحل لا محالة .. فأنا أرغب أن تكون لك)، يتعانقان بتآخٍ فيقول هاني: (أنت من أكثر الأشخاص شهامة .. أرجوك لا تستمر في تلك الطريق .. أنتَ تعرف أن نهاية أغلبهم القتل .. بالله حاول أن تجرب العلاج).

كانت تلك المرة الأخيرة التي التقى فيها هاني بوسيم رستم.

***

حاول رئيس المباحث الوفاء بوعده إثبات براءة مصطفى دون أن يثير شكوك المراقب الآخر الذي كان مجهولًا لمصطفى أيضاً؛ فبعد أن بدأ المراقبون الثلاثة في استخدام الكتابة كوسيلة لتبادل المعلومات دون مراقبة علموا أن الراقصة دوللي هى المشتركة بين مصطفى وصهيب أما المشترك بين أمجد ومصطفى فكان رجل الأعمال نخيلي في حين لم يكن هناك أي أشخاص مشتركين بين أمجد وصهيب؛ ظلَّ رئيس المباحث يحاول الوصول للجاني الحقيقي في تلك القضية التي قيدت ضد مجهول منذ عشر سنوات دون جدوى؛ وفجأة بعد أن خيم اليأس عليه اكتشف تشابهًا بين جريمة قتل جديدة وتلك الجريمة القديمة؛ إنه نفس سلاح الجريمة والذي كان عبارة عن خنجر به تعريجات خاصة في نصله ظهرت آثارها في جسد ضحيتي الجريميتين؛استغرقت التحقيقات أسابيعًا لكنها وصلت للقاتل في كلا الجريمتين؛ كان قاتلًا محترفًا استأجره زوج سهير المقيم في أحد الدول العربية بعد علمه بخيانتها؛ كانت سهير تكذب على الشباب وتخبرهم أنها مطلقة فالمرأة الخائنة تستهوي معدومي الضمير فقط؛ وهؤلاء يمكن أن يكونوا مصدرًا للقلق والابتزاز أكثر من كونهم مصدرًاللحظات السعادة؛ كان زوج سهير خبيرًا بأجهزة الحاسب الآلي وعندما راوده الشك تجاهها بعد طول خصام نشأ أثناء سفره قام باستخدام برنامج اختراق لحاسب زوجتهواكتشف علاقتها بعدة شباب فجنَّ جنون الرجل واستخدم وسيلة آمنة للتخلص منها والانتقام لشرفه؛ كان ذلك القاتل المحترف مراقبًا من خلال المكان لكن مهارته الفائقة وقدرته على إخفاء آثاره جعلت منه ورقة رابحة لدى بعض الكبار تستخدم عند الحاجة وتم غض الطرف عنه؛ وهو نفس القاتل الذي استأجره عم أمجد لقتله فاستطاع زياد إنقاذه وإدراجه ضمن المراقبين؛وعندما اتهم مصطفى بقتل سهير عقد معه الصفقة نفسها فهم يحتاجون مراقبين بلا ضمير وبلا إرادة وبلا مخاطرة الاستقالة وإفشاء سر وجود المكان أو أيٍّمن أسراره؛ وفي نفس الوقت فهم يحتاجون مراقبين على قدر عالٍ من التعليم فهي وظيفة تحتاج لشخص متعلم يستطيع التحليل؛ كانت فرحة مصطفى أسطورية بخبر براءته؛ طلب اللقاء بزياد فحُدد له موعد بعد عدة أيام لعدم وجوده بالمكان؛ مرت أيام انتظار لقاء زياد بطيئة لكنها مشرقة بالأمل فقد كان مصطفى متأكدًا من كونه سيغادر المكان بعد ثبوت برائتهفالقضية لم تعد مقيدة ضد مجهول وتم إلقاء القبض على القاتل الحقيقي: (وماذا يغير هذا ؟)، قالها زياد ببرود جمد كل طموحات مصطفى الذي قال بصوت مختنق: (أنا أقول لك لقد أثبتت براءتي .. ولا معنى لوجودي هنا الآن .. أنا بريء بريء)، يتفحص زياد وجه مصطفى بهدوء ثم يقول: (براءتك تأخرت)، يحاول مصطفى إدراك ما يقصده زياد فلا يستطيع فيريحه من التفكير بقوله:(لقد اطلعت على كل أسرار المكان ..وأصبحت خبيرًا بطريقة عملنا وهذا يجعلك عنصرًا غير قابل للاستغناء عنه لكبر حجم خسارة استثمارنا فيك وخطورة مغادرتك لنا)، يحدق مصطفى في وجه زياد ثم ينفجر قائلًا: (أتريدني أن أكمل حياتي في هذا السجن إلى مالانهاية)، ينظر زياد بحزم لمصطفى فيهدأ قليلًا ويقول: (أريد مغادرة هذا المكان)، ينظر له زياد بقسوة ويقول: (وتذهب لأين .. أهناك عمل آخر سيعطيك ربع ما نمنحه لك؟، ..أستعيش تلك الحياة الفاخرة في مكان آخر؟ .. هل تستطيع أن تخبرني ما هي مؤهلاتك ما هى قدراتك .. إن كل ما تملكه هو الفراغ .. وبعض سنين الدراسة التي جعلتك أكثر إدراكًا للحياة والتفاصيل من مخبر في الأمن ..  ونحن لحسن حظك لا نحتاج إلا تلك المؤهلات التي لا تساوي شيئًا خارج هذا المكان) يشعلمصطفى لفافة تبغ بتوتر ويقول: (أنا أريد حريتي التي سلبت مني دون جرم اقترفته لعشرة أعوام)، يدير زياد ظهره لمصطفى ويصمت للحظة ثم يقول: (لم يكن فقد حريتك ذنبنًا .. لقد أبرمت اتفاقًا نهائيًا لا رجوع فيه معنا يوم أنقذناك من السجن ..  وللعلم إذا كنت مصرًا على الرحيل فلن نمنعك .. فلا جدران حولك .. لكن عليك تحمل العواقب)، كان تهديد زياد واضحًا كعادة كل تهديدات صاحب الخطوات الواثقة؛ لكنه للمرة الأولى لم يكن مهمًا أو مخيفًا لمصطفى فحلمه الذي تحقق بزواجه بحبه الكبير ربوة وبراءته التي ظهرت من العدم منحاه شيئًا كان ما يفتقر إليه طوال حياته .. الإرادة.

التهمت الأفكار عقل زياد فور مغادرة مصطفى لمكتبه فكيف تثبت براءته بعد مرور كل تلك الأعوام ليقع المكان في هذا المأزق ويعرض لخسارة مراقب عمل معهم لعشرة أعوام؛هنا تثار شكوكه نحو أحمد طوبار ورغم تأكده من عدم تلاقيه بمصطفى من خلال سجل المراقبات إلا أنه يشعر بالريبة تجاه الأمر لكونه استطاع الوصول لذلك القاتل المحترف الذي يجيد إخفاء آثارهوالذي يعرف الكثير عن خطايا الكبار ممن نفذ لهم عمليات تصفية والذين لم يسمحوا لطوبار بالقبض عليه حيًّا؛ أحس زياد بالخطأ الفادح الذي ارتكبه منذ عشر سنوات عندما وافق أن يكون مصطفى من مراقبيه؛ فعلى الأقل هكذا علم مصطفى بالقبض على قاتل سهير وثبوت براءته فلم يكن خبرًا سيتصدر صفحات الجرائد؛ اتخذ زياد قرارين في تلك الليلة؛ الأول بإبعاد أحمد طوبار عن موقعه المهم كرئيس مباحث العاصمة والثاني بتنحية مصطفى عن مراقبته وإسنادها لمراقب آخر.

***

(إن الناس تحبك في المحافظة جدًا ونحتاجك هناك)، قالها مدير الأمن محاولًا تجميل خبر نقل رئيس المباحث المفاجيء ليشغل منصب مساعد لمدير أمن نفس المحافظة التي عمل بها كمأمور مركز؛ لكن طوبار ملَّ التنقل بين أروقة معبد الظلم فوقع طلبًابأجازة مفتوحة ولم ينفذ النقل؛ أغلق هاتفه المحمول فقد كانت حالته النفسية مبررًاكافيًا لفعل ذلك؛ جلس في منزله يفكر في الهجرة لكنه كان شريفًا ومدخراته لا تسمح له بحياة مستقرة في بلاد الغربة ففكر في البحث عن عمل بإحدى شركات الأمن والحراسة بأي دولة وأنهك نفسه في البحث.

***

في الليلة التي وصل فيها خبر استبعاد مصطفى من مراقبة أحمد طوبار إلى شاشة الحاسب الآلي لم يكن مصطفى موجودًا لتلقيه واختيار البديل؛ كان أنهى خطة هروبه وودع عم فتحي وأمجد وصهيب الذين حاولوا تحذيره من خطورة ما سيفعله وأنه بلا جدوى وحاول إقناعهم بالهروب معه فكانت النتيجة تمسك كلٌّ بقناعاته وهروب مصطفى وحيدًا من المكان؛ تسلل في الظلمة مبتعدًا لم يوقفه أحد ولم تكن هناك حراسة تذكر حتى عند السور والبوابات المكتوب عليها اسم شركة منتجات الألبان؛ كان هناك حارسان يحتسيان الشاي ويقومان بشيِّ الذرة فاستطاع التسلل للسور دون أن يلفت انتباههم ويقفز خارجًا؛ فور وصوله للطريق استقل سيارة أجرة من نوع البيجو ذات السبعة راكبين والشائعة في نقل المسافرين؛ كانت الخطة التي ناقشها مع صديقه هاني في حالة هروبه من المكان هى الاختباء لعدة أيام ثم الهرب بحرًا للخارج بصحبة ربوة؛ فما لديهما من الأموال يكفي لبدء حياتهما في أي بلد يسافران إليه؛ ظلَّ يفكر في رد فعل ربوة وهل يمكن أن ترفض الهروب معه وماذا سيفعل في أمه التي طالما  رفضت فكرة السفر معه أو مع شقيقه الأكبر من قبله (أهذه حقيبتك؟)، قالها أمين الشرطة الواقف في الكمين لينتشل مصطفى من موج أفكاره وهو يناوله حقيبة كتف جلدية؛ تعجب مصطفى وأعاد الحقيبة لأمين الشرطة قائلًا: (لا ليست لي)، يتعجب الأمين من رد مصطفى ويخاطب الجالسين بالسيارة: (حقيبة من هذه؟)،يشير الجميع لمصطفى الذي يتعجب ويبدأ الصياح فيهم والانكار لكن هذا لم يغير من الأمر شيئًا؛ فتح أمين الشرطة الحقيبة الجلدية ليجد فيها كيسًا أبيضًا من مخدر الهيروين وعلى الفور وجد مصطفى فوهات الأسلحة النارية تحاصر وجهه وفي لحظات كان يقبع في حجز أقرب نقطة شرطة؛ وهو يلعن حظه العاثر لكن اعتقاده بسوء حظه تبدد عندما وجد أمامه وجه عمرو بديل زياد في منصب متابعة الأفراد: (ألم يخبرك السيد زياد أن عليك تحمل تبعات هروبك)، قالها عمرو بزهو وتشف واضحين ثم أشعل لفافة تبغ لنفسه وجلس ينفث دخانها في وجه مصطفى الذي لم يدر أهذه المعاملة السيئة لكونه هارب من المكان .. أم لطبيعة شخصية عمرو القاسية الذي قال:(أليس من الغباء ألا تدرك حجم قوتنا وقدراتنا بعد أن عملت لحسابنا طوال هذه الفترة؟)، ينكس مصطفى رأسه بعدما أدرك أن لديهم خططًا فورية لإلصاق التهم بمن يحاول الهروب،كانت الحقيبة المليئة بالمخدرات التي وضعها أمين الشرطة بين يديه لتلتصق ببصماته وأكد جميع ركاب السيارة أنها ملك مصطفى إحدى تلك الخطط؛ سيمنحونه فرصة أخيرة للتعقل بعد أن وقع بين براثن القانون وشعر باختراقها للحمه مرة أخرى؛ فهو كما قال زياد استثمار بالنسبة لهم وخبرته الكبيرة في العمل تجعلهم يحاولون التمسك به قدر المستطاع قبل إلقاءه في غياهب السجن أو التخلص منه؛ لم يدر ضابط النقطة طبيعة السلطة التي يملكها عمرو والتي جعلت مدير الأمن يتصل به مباشرة مطالبًا بإخلاء سبيل مصطفى فورًا وتمزيق المحضر الذي كان حرزه كيسًا من الهيروين؛ لكنه أدرك أهميته الكبيرة بدون شك وأدرك مصطفى بدوره تضخم قدراتوسلطات المكان في العشر سنوات الماضية،  فهملم يحتاجوا إلى إخفاء أدلة الإدانة لكي تطلق النيابة سراحه كما حدث في المرة الأولى بل تم صرفه وتقطيع المحضر في هدوء؛ أهم ما أدركه مصطفى في تلك الليلة أنه وكل المراقبين في المكان مستعبدون باسم القانون؛ وربما كان الجميع كذلك.

لم يستطع مصطفى تقبل فكرة الاستمرار لكن حلم هروبه كان يتلاشى من خياله كلما حاول استدعاءه؛ عاد للأشخاص المراقبين وفوجيء باستبعاد رئيس المباحث وإدراج عدة وجوه بديلة ليختار منها من يراقبه؛ شعر بالقلق على الرجل لكنه معدوم الحيلة؛ بلا تفحص في الوجوه اختار أول الوجوه في الصف فكان نصيب فئة العاملين بالقانون لأحد المحامين الكبار يدعى قدري زهير؛ كان رجلًا فاسدًا إلى أبعد الحدود فرآه مصطفى مناسبًا ليتعامل مع القانون الذي يستعبده رغم قناعته أن الفساد ليس في القوانين بل في من يتحكمون في تطبيقها؛ كانت أول العقوبات اللاحقة لمحاولة هروب مصطفى هى الحرمان من الاتصال بالعالم الخارجي لفترة لم يحددها عمرو وكان مصطفى يدرك أنها لن تكون العقوبة الوحيدة؛ فكر مصطفى في تلك الليلة كيف لم تفده آراء الفلاسفة في تلك الأزمة الطويلة هل كانت بلا قيمة أم أنَّ أزمات هذا الزمان أصبحت مختلفة؛ رفض تلك الفكرة فالأيام تعيد تكرار نفس الأحداث بأشخاص وأماكن جديدة؛ ربما كان من يسيطرون على مجريات الأمور أكثر قسوة وتحكم ممن كانوا في زمن هؤلاء الفلاسفة؛ لابدَّ وأن الشر تطور فعجزت الأفكار القديمة عن مواجهته؛ سقط مصطفى في بئر بلا قرار من انعدام الحيلة المطلق وفي تلك الليلة فعل ما لم يفعله من سنين طويلة؛ فقد توضأ وشرع في الصلاة وفور أن سجد لله وفور أن لامست رأسه موقع سجوده لله انفجر باكيًا لكنه خجل أن يدعو الله في تلك الليلة بعد أن أهمل الإخلاص في الدعاء طوال حياته ولم يقل إلا (يا رب).

***

لم يصدق رجل الأعمال نخيلي عينيه وهو يتابع القنوات الإخبارية التي تنقل خبر هروب الرئيس التونسي؛ لقد نجحت ثورة الشباب في خلع ديكتاتور من كرسي الحكم؛ في تلك الليلة استوقف بائع مناديل نخيلي في إشارة المرور طالبًا منه عشرون جنيها كصدقة لوجه الله وإلا لن يقبل أي مبلغ منه؛ شرد الرجل وانصرف البائع دون انتظار المبلغ؛ كانت تلك طريقة استدعاء نخيلي للاجتماع بالقادة؛ فما لم يعرفه أو يتخيله أحد أن يكون الرأسمالي الكبير وممول الحزب الليبرالي الديكوري هو في الأصل أحد قادة التيار الإسلامي الذين تم تمويلهم وتكبيرحجمهم في عالم الاقتصاد بموارده الكبيرة؛ كان غطاءه محكمًاومعرفته بطرق المراقبة تجعل كشف أمره مستحيلًا؛ في يوم الاجتماع الذي كان مكانه وموعده عشرين جنيها أي في فيلا المقطم في تمام العاشرة من اليوم التالي كما تنص الشفرة؛ أغلق نخيلي هواتفه المحمولة بحجة الرغبة في النوم العميق ودخل حجرة نومه ثم تسلل خارجًا من الفيلا دون حراسة ليستقل سيارة كانت بانتظاره في الظلام على بعد مئات الأمتار اتجهت به لمكان الاجتماع؛ كان جميع المجتمعين بلا هواتف محمولة ولم يكن بالمكان أي وسيلة للاتصال بشبكة الانترنت؛ رغم كونه مكان غير مراقب من قبل السلطات فهو فيلا تابعة لنخيلي؛ الجميع مضطربون لتسللهم لهذا الاجتماع المفاجيء فأغلبهم تحت مراقبة قوية لكن الحادث الجلل في تونس أوجب الاجتماع الذي انتهى بتخليهم عن فكرة الانضمام للتظاهرات المدعو لها في يوم عيد الشرطة فمصر ليست كتونس ومن الأفضل كسب النقاط مع النظام في حدث كهذا لربح أي مميزات يمكن الحصول عليها بهذا الموقف.

***

التصقت عينا أحمد طوبار بشاشتي التلفاز والحاسب الآلي متابعًا ما يحدث وما يقال في شغف؛ في الوقت الذي انهمك فيه مصطفى بالعمل فقد كانت الأوامر مشددة بمضاعفة ساعات العمل ومتابعة كل ما يجري والإجابة على أسئلة التقارير التي أصبحت ترد كل ساعة على غير المعتاد بشكل دقيق و فوري؛ كانت ردود فعل الأشخاص المراقبين متباينة؛ فالناشرة فريدة رأتها فرصة للخلاص من هذا النظام المجحف رغم استهانة زوجها بالموضوع؛ أما المذيع شهاب فقد استهزأ  بدعوات التظاهر وانتقد على الشاشة كونها توافق يوم عيد الشرطة المصرية؛ في حين كانت الراقصة دوللي قلقة من التحذيرات التي ملأت الصحف من كون يوم التظاهر سيكون يومًا دمويًا وسيتم تحطيم السيارات والممتلكات فيه وهى شائعة أطلقها النظام لتخويف الناس مما هو آت وصدقها الكثيرون؛ أما المحامي فقد اكتفى بإلغاء مواعيده في هذا اليوم والبقاء فيمنزله؛ أما ندى فقد كانت تشع نشاطًا وحماسًا لهذه التظاهرات فقد رأتها أخيرًا فرصة لتغيير أيِّ شيء على أرض الواقع؛ وحافظ نخيلي بجوار سماعات المراقبة على موقف دعم النظام وتتفيه قيمة المظاهرات لكل محدثيه؛ وكان موقف المهمشين متناقضًا فقد كان حمدي سائق التاكسي قلقًا للغاية من الحديث في الموضوع ورغم رغبته في المشاركة إلا أن معرفته بذلك النظام الذي يراقب حتى المهمشين رسخت في نفسه استحالة إسقاطه؛ في حين اشتعلت نفس حسين موظف السايبر ليجهر بكل ما أخفاه من كراهية للظلم المسيطر على الوطن طوال السنوات؛ كان المشارك الوحيد من بين الأشخاص المراقبين في أول أيام التظاهرات رغم قناعته بأن لا شيء سيتغير لكنه لا يملك شيئًا ليخاف خسارته؛ حتى حياته التي فشل أن يحقق فيها أقل الطموحات لم تكن ذات قيمة لديه؛ لقد تجاوز الأربعين وظل بلا عمل فِعْليِّ ولا زواج ولا حقوق؛ كان قد ملَّ الخوف من كلِّ شيءٍ ورأى نهايته في نهاية شاب سكندري قتله رجال المباحث بلا رحمة والصقوا به تهمة الإتجار بالمخدرات بعد تسريبه لمقطع على الانترنت يفضح بعضهم وهم يوزعون أرباح الإتجار بها منذ فترة قريبة؛ أثار الموضوع ضجة على مواقع التواصل وفشلت أساليب التغطية ومحاولات الإلهاء في إخماد نيران متابعته المشتعلة في هشيم المجتمع؛ ربما كانت مشاركة حسين في ذلك اليوم محاولة لمنع ذلك المصير الأسود من اللحاق به أو حتى لاكتساب شرف المحاولة ليس إلا.

***

لم يستدع زياد مصطفى بهذا التعجل من قبل؛ كان زياد مضطربًا فالتظاهرات أتمت يومها الثالث وحدتها تزداد كل يوم عن اليوم السابق: (ماذا ترى؟)، قالها زياد الذي يسير في دوائر داخل حجرة مكتبه على غير عادته؛ صمت مصطفى قليلًا وهو يستمتع برؤية توتر زياد الذي طالما استمتع بمشاهدته داخل سجنه كطفل يتابع عصفورًا أسيرًا داخل القفص؛ ملَّ زياد من صمت مصطفى سريعًا فصرخ مكررًا سؤاله فأجابه مصطفى: (الأغلبية لم تحدد رأيًا بعد لكنَّ عددًا ليس بالقليل يفكر في الانضمام للتظاهرات .. وأظنهم سيفعلون)، ألقى زياد جسده على أحد المقاعد الوثيرة وأشار لمصطفى بالانصراف فقام واقفًا ثم اتجه لباب الخروج وهو يشكر تلك التظاهرات التي جعلته يوقن أن زياد بشري مثله يتوتر ويقلق ويصرخ غاضبًا .. والأهم أنها أفقدته لقبه ..  فزياد الذي ظل يدور في حجرة مكتبه مضطربًا لم يعد صاحب الخطوات الواثقة .. كان القلق يسود خطواته للمرة الأولى منذ عرفه مصطفى .. ولم تكن المرة الأخيرة.

***

تمكن التوتّر من المذيع شهاب بعد سماعه لإجابات ضابط أمن الدولة المقتضبة والمضطربة على استفساراته فقد شعر أن الرجل لم يكن يدرك كيف يوجهه؛ في تلك الليلة اتخذ شهاب قرارًا باتخاذ موقف زئبقيِّ حيال الموقف فربما انتصرت تلك الأمواج على السفينة الضخمة؛ وبسبب هذا سمع سبابه من صديقه وسيم رستم الذي أنهى مكالمته معه بعبارته: (أتعرف أنني قد أتخلص من الشذوذ لكنك لن تستطيع التخلص من النفاق)؛ في تلك الليلة أيضًا اجتمع رجل الأعمال نخيلي مع رجال التيار الإسلامي الذين قرروا الانضمام للتظاهرات بعدما كشرت عن أنيابها الحادة لثلاثة أيام وبات التخلي عنها ضربًا من ضروب الغباء السياسي؛ أما الناشرة فريدة فقد فوجئت بطرقات زوجها الوزير على باب منزلها وفوجئت أكثر بالشحوب الظاهر على وجهه؛ كان الرجل يائسًا ومتأكدًا من حل تلك الحكومة في القريب العاجل لإخماد تظاهرات الشعب؛ لم يكن لديه شخص يوقن أنه أحبه لشخصه وسيحتضنه في هذا الموقف سوى فريدة فذهب إليها وبالفعل كان العناق طويلًا بلا عتاب ولا كلمات بضع دموع في عينيها لعودة حبيبها الذي كان قد تحول إلى وحش من وحوش السلطة؛ أما ندى فما أن عادت إلى منزلها بعد يوم طويل من اللقاءات التلفزيونية بالعديد من القنوات وزيارتها لميدان التحرير والتقاطها الصور مع بعض المعتصمين فيه؛ كانت مرهقة وحزينة لكونها لم تستطع البقاء هناك لكن تدريبها علمها ألا  تقف أبدًا في خطوط المواجهة الأولى مع النظام؛ وما حققته من ثراء بالنسبة لوضعها الأول كان أثمن من أن تضحي به من أجل إسقاط نظام؛ لم تمر دقائق على دخولها المنزل حتى فوجئت بطرقات رجال أمن الدولة على باب منزلها في منتصف الليل فقد صدر القرار بإلقاء القبض على كل الناشطين السياسيين حتى المستأنسين منهم؛ أما المحامي ورئيس المباحث والراقصة دوللي فقد اكتفوا  بمتابعة الأحداث من الشاشات بقلق بالغ مما يمكن أن تؤول إليه الأحداث من توتر في الشارع والبلد بأكملها؛ ففكرة التغيير المفاجيء تربك الجميع؛ ظل حسين موظف السايبر معتصمًا في ميدان التحرير وظل حمدي سائق التاكسي يفكر في الذهاب إلى هناك لكنه لم يتخذ قراره بالذهاب حتى استيقظ في صباح اليوم التالي فوجد جميع الاتصالات قد قطعت في جميع ربوع مصر؛ حتى الولوج إلى شبكة الانترنت كان مقطوعًا .. وهنا اتخذ حمدي القرار فقد أدرك أن هنالك مذبحة يريد أن يجريها النظام دون شهود؛ وأن هذاالنظام يترنح أخيرًا .. والأهم من ذلك أنه لليوم الأول منذ وقت طويل لم يعد مراقبًا.

***

امتلأت حديقة المكان بالمراقبين الذين خرجوا إليها واحدًا تلو الآخر بعد قطع الاتصالات وتوقف عملهم؛ كانت تلك هى المرة الاولى التي يجتمع فيها كل المراقبين معًا؛ كانوا بضع مئات من الأشخاص: (في النهاية هم يراقبون شريحة من جسد الوطن تمكنهم من فهمه و السيطرة عليه .. فلا يمكن لأحد أن يراقب الجميع أبدًا)، قالها مصطفى لعم فتحي وهما يتابعان المراقبين الذين انشغلوا في البداية بالتعرف ببعضهم لكن القلق تسلل إليهم عندما لم يظهر أي شخص من الإدارة للحديث معهم؛ فزياد اتخذ قراره في الصباح الباكر منذ علمه بقطع الاتصالات بأن يرحلَ كل الإداريين عن المكان وتغلق جميع المداخل للأدوار السفلية حيث مكاتب الإدارة؛ كان يخشى حدوث صدام بين الإدارة والمراقبين الذين سيشعرون بتراخي قبضة النظام لا محالة من موقف كهذا؛ لم يعد هناك ما يخشونه إن سقط النظام وربما فكر بعضهم في الفتك بهم أو إحراق المكان ولهذا قام بإخلاء الإداريين وغلق الأدوار السفلي وترك كل شيء كما هو بالأدوار العليا حيث المراقبون والموظفون الذين لا يعرفون شيئًا مثلما كانت ربوة؛ مرت ساعات من خروج المراقبين للحديقة ولم يظهر أحد فرفع مصطفى محدثًا الجميع: (أنا راحلٌ عن هنا .. أهناك من يرغب الانضمام إلى؟)،انضم إليه أمجد في حين ظل صهيب وعم فتحي جالسين مكانهما ولم يهتم سوى شخصان آخران سارا نحوهما وأبديا رغبتهما في الرحيل معهما؛ ارتفع صوت من وسط الجموع قائلًا: (أتعرف أين نحن يا هذا؟)، تنفس مصطفى الصعداء لاهتمام الناس بفكرة الرحيل ولو بمجرد الاستفسار وقال: (نحن بالقرب من الساحل الشمالي .. وهؤلاء الناس ليسوا آلهة إنهم مجرد بشر يسجنوننا في مخاوفنا كما يحكمون البلد بزرع الخوف في نفوس البشر .. يمكننا أن نواجههم .. أن ننتصر .. أن نهرب حتى .. لكن استمرارنا في الخضوع لهم بهذا الشكل أسوأ من الموت نفسه)، صمت مصطفى واغرورقت عيناه بالدموع ثم صرخ قائلًا للمرة الثانية: (أنا راحلٌ عن هنا أهناك من سيأتي معي؟)، وفي هذه المرة انضم إليه قرابة العشرة أشخاص كان بينهم صهيب الذي عانق مصطفى وأمجد بحرارة وقال: (هى خربة بكل الأحوال)، بينما ظل عم فتحي جالسًا مكانه فاتجه الثلاثة إليه ليحاولوا إقناعه بالرحيل لكنه أجابهم بهدوء وثقة: (أنا فاقد للذاكرة .. ذاكرتي أنا .. حياتي أنا .. لكن هذا الوطن لم يمح أبدًا من وجداني ولا من ذاكرتي .. لن يسقط هذا الفرعون .. وإن سقط فلن يسقط أعوانه وإن سقطوا .. فمن المستحيل سقوط كهنةالمعبد)، تعجب الثلاثة وتبادلوا نظرات الدهشة من لفظ كهنة المعبد فواصل عم فتحي كلامه قائلًا: (إن كهنة معبد الظلم الذي يحكم قبضته على هذا الوطن ويوجهه كيف يشاء لن يسقطوا .. فلا أحد يعلم بوجودهم .. هذا المكان الضخم قطعة صغيرة من معبد الظلم .. أتظنون أن من شيدوا صرحًا كهذا بكل الإتقان والتفاني يمكن أن يتخلوا عن سلطتهم؛ أيمكن أن تتخيلوا حجم معبد الظلم بالكامل .. صدقني كل الجالسين هنا يدركون هذا جيدًا ولهذا فلن يرهقوا أنفسهم بمحاولة الهرب.. صدقني حتى إن سقط الفرعون وأعوانه .. لن يسقط كهنة المعبد)، كان كلام عم فتحي محبطًا لهم لكنهم أصروا على الرحيل؛ عشرة أشخاص من مئات المراقبين الذين جلسوا يتجاذبون أطراف الحديث في هدوء؛ تأمل أمجد المراقبين الجالسين للحظات ثم قال والدموع تغرق وجنتيه بصوت مسموع للجميع

(يا أيها المستسلم المنهارُ

تعلو فقطْ بعيونك الأسوارُ

يا أيها العربيّ أدمنت الخضوع ..

.. وحُمّلتْ بشقائك الأخبارُ

فلئن شكوتَ إليَّ من ثِقَل الخُطى

سببٌ وحيدٌ يمتطيك العارُ

مأساتك الكبرى بمقصد وصفها

فَشلَ الرواةُ و تَعْجَزُ الأشعارُ

أنت الذي إن أنقذوهُ بثورةِ

مدح الطغاة .. فيَهلَكُ الثوارُ

قهروك مذ منحوك قلبًا خائفًا

وقبلتَ كي يرضى بك الأخيارُ

وعلى الفتات لهم تسبّح شاكرًا

وبسيل حمقك يُنهبُ المليارُ

حاولتُ تبرير انحنائك إنما

لك دائمًا تتنصلُ الأعذارُ

يا أيّها المسجون دون جريمةٍ

لا سجنَ حولك .. ما أقيم جدارُ

جسدٌ طليقٌ .. ما لسجنك حاجةٌ

يكفي بعقلك تُسجنُ الأفكارُ

العيش في وطنٍ من السجناء ..

.. لغزٌ .. حلّهُ إدراك  كيف يدارُ)

بعد انتهاء أمجد من إلقاء قصيدته سار في طريق الخروج من المكان مع مصطفى وصهيب والقليلين ممن قرروا الرحيل معهم والتمرد على الخوف الذي سيطر عليهم لأعوام طويلة وقبل أن يختفوا عن أعين عم فتحي الذي جلس يراقبهم بحزن شديد توقف مصطفى والتفت ناظرًا لجموع المراقبين الجالسين بعيدًا وقال: (من أصعب الأقدار أن تكون سجينًا مدى الحياة .. بلا جدران).

تمت بحمد الله

لا تنس مشاركة فيديو الرواية أو صفحتها برأيك .. بالفيسبوك والواتس آب

تحياتي لكل من شاركوا بحفلة القراءة الجماعية

شارك الفيديو على فيسبوك

تطلب النسخة الورقية من مدبولي للنشر والتوزيع 

تصميم الغلاف : مينا مصري

احصل على نسختك من روايات وأشعار الأديب #خالد_الشيباني من جميع المكتبات الكبرى وموزعي الكتب .. أو اطلب أكثر من كتابين يصلوك حيثما كنت في أي مكان في مصر بنفس سعر المكتبة والتوصيل مجانا وخصم 20 % للمجموعة الكاملة
اتصل على 01553129363 – 035765777 أو تواصل مع بريد الصفحة من هنا
— الكتب المتاحة —
راوية الحرف السادس 35 جنيه
رواية بلا جدران 40 جنيه
رواية ابن غير شرعي – من ثلاثية تركة العم حساب 35جنيه
راوية الوصية – من ثلاثية تركة العم حساب 30 جنيه
ديوان الحب والبارود 30 جنيه
ديوان عرش لكل مواطن 30 جنيه
ديوان معاهدة سلام مع القمر 30 جنيه
ديوان رحلة الليل وحكايات النهار 30 جنيه
ديوان باق من الزمن حياتك 30 جنيه

وترقبوا في معرض الكتاب القادم بمشيئة الله
رواية الميراث المفقود – من ثلاثية تركة العم حساب
ديوان رحيل المجرة

التوصيل خارج مصر متاح فقط للمجموعة الكاملة بنفس أسعار الكتب في مصر وبالتخفيض 20% ولكن يدفع العميل رسوم الشحن والتوصيل
وكمان تقدر تشتري اون لاين من سوق كوم https://souq.link/2Kt4TSv
تتوافر النسخة الإلكترونية عبر مكتبة العبيكان الرقمية https://bit.ly/2mFC5rv
وكذلك تطبيق الحسناء للنشر والتوزيع على آبل ستور https://goo.gl/yo1UWW
وعلى جوجل بلاي https://goo.gl/bcPwUm

حمل مؤلفات خالد الشيباني من موقع كتبنا

حمل مؤلفات خالد الشيباني من موقع إي كتاب

حمل مؤلفات خالد الشيباني من موقع نيل و فرات

شاهد أيضاً

الحرف السادس – رواية لـ .. خالد الشيباني

رواية من روايات الخيال العلمي لكنها تتسم بطابع فلسفي وتدور أحداثها في إطار من الغموض …

2 تعليقان

  1. كقطعة حلوى شهية تتلذذ بأكلها وتتمنى ألا تنتهى أبدا حتى تتفاجأ بنهايتها فيعتريك حزن شديد .. هكذا كانت حالتى بالضبط وأنا أنهى رواية “بلا جدران” للشاعر والروائى الشاب خالد الشيبانى والتى تخطفك تفاصيلها منذ القراءة الأولى لفصولها الثلاثة التى جاءت عناوينها مبتكرة ومتفردة ويصلح كل منها عنوانا لرواية منفصلة .. الهامش الخالى .. جنة الجحيم .. كهنة المعبد ؛ يتميز أسلوب الشيبانى فى تلك الرواية كما فى روايته الأولى ” تركة العم حساب” بالبناء الدقيق لشخصياته وعلى الرغم من كثرتهم وتشابكهم إلا أن خيوط كل شخصية تسير بمفردها بنفس القوة والترابط الدرامى وبمنتهى المنطقية فى أحداث الرواية التى تجبرك على عقد مقارنات بين الكثير من الشخصيات الماثلة أمامك وبين عدد من أقرانها فى الواقع بل يرى كل منا نفسه فى مكان “مصطفى” بطل الرواية.
    ﻻشك أن المكتبة المصرية والعربية قد اكتسبت كاتبا جديداً يستطيع من خلال أسلوبه الروائى جذب القارئ الذى هجر الكتاب إلى عوالم أخرى ظهرت مع التطور التكنولوجي الكبير أهمها شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، وهى تحديات يواجها أدباء هذا الزمان قياساً بأجيال أخرى سابقة فلو استطاع أحد هؤلاء الكتاب اجتذابك إلى عالم القراءة فهو يستحق أن نرفع له القبعة ولذلك فأنا أرفع قبعتى وأنحنى تحية للروائي العبقرى خالد الشيبانى.

  2. كاتب ينتمى فكريا الى حقبة أدباء الربع الأول من القرن العشرين ، تتلبسه روح الحرية الوطنية و يكرر الزمان إرسال كاتب و مؤلف قصصي رائع نحى نفس نحو أدباء تلك المرحلة الذهبية الرائعة ، خالد الشيبانى الذى أرقنا معه فى محاولة فك طلاسم لغز الرواية و التى للوهلة الأولى تشعر أنك تقرأ رواية بوليسية تجذبك نحو قراءة المزيد لتنتهى بك الرواية للاجابة على السؤال الملحمى الوطنى الهام الذى أزهق أرواح العديد من شباب الوطن … من الجانى !

    أسلوب كتابى واقعى فلسفى متصوف يدور فيه المؤلف بين دروب الحريات الثلاثة كعادته ، هذه الحريات التى أرقت مخيلته محاولا الاجابة عنها ، حرية الانسان السياسية و حرية الحب و حرية التصوف .

    لا يفتنى تسجيلى إعجابى بتاريخ أحداث وقوع روايته و هو العام 2000 رغم أنك لو طالعت القصة فستلاحظ انها تحدث كل عام و على مدار عشرات السنون المنصرمة .

    الرواية واقعية لكن محورها و عقدتها التى فكها المؤلف هى الاجابة على تساؤل هام من واقع قصة تبدو بسيطة السرد قريبة الملمس للعقول الراقية لكن ليس كل قارئ سيستشعر بعدها السياسي الصريح ، أتعجب و أحسد خالد الشيبانى على ذكائه و أسلوب ديباجته .
    كم عام استغرقه المؤلف لكتابة روايته بلا جدران !!! لا أعلم لكنها ليست بالرواية السهلة فى الديباجة ابدا ….!!!

    تختزل الرواية ايضا حقيقة مفادها أن الانسان ولد طيبا نقيا لكن تناقضات البشر و المجتمع ولدت لديه أمراض نفسية قد تصل لحد الانفام فى الشخصية …
    التصوير الكتابى كأنك حاضر كان عالى للغاية ، فأنت لا تقرأ رواية فحسب بل تستشعر حتى السيناريو و الحوار ، أما الأهم من تصوير بلاتوهات وقوع الرواية فى مؤلفة بلا جدران فكان دقة تصويره الشديدة لكلمات أبطال الرواية ، قمة التجسد و الروعة الفنية تجلت فى فصول التحقيق الأمنى الذى جرى مع بطل الرواية ” مصطفى ” على يد رئيس المباحث

    لم يترك الشيبانى شريحة من شرائح مجتمع القرن ال 21 الا و بدت فى روايته لكن غير أى رواية سبق لك قرائتها فيطير بك المؤلف خارج حدود أفق تفكيرك عن الراقصة بمفهومها الذى صورته الأدبيات المصرية العادية الى مفاهيم أخرى ، و صورت الرواية و باسهاب شريحة مجتمعية أغفل عنها كل كتاب المرحلة الحالية ، شريحة بالملاين ….شريحة مجتمع الانترنت خاصة الشباب ، شعر بأوجاعهم مثل ما شعر بوجع المغتربون عن وطنهم مصر .

    بخلاف اجابة الشيبانى عن اسؤال : من الجانى ؟

    ابان فمه لما قال ما عناه أن أكبر سجن ممكن أن تعيش فيه هو عندما يسجنك البشر في سجن المخاوف !

    الحرية …….كانت شعار لخالد الشيبانى …..كرهه للاستبداد و عشقه للحرية و بعد أن صارع تجارب الحياة كتب روايته هذه المغمورة بحب مصر .

    تحياتى له و لدار النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *